يــأس

سـرد أحمـد الشافعي

21 اكتوبر 2005

قبل  تخرجه ببضع شهور ، وقف بين أفراد أسرته يشرح لهم كيف سينفذ مشروع تخرجه الذي سيقدمه أمام اللجنة الممتحنة .. كاد أن يطير من الفرح حين علم أن رئيس القسم سيدعو العميد ورؤساء الأقسام ليستمعوا إلى مشروعه الذي سماه اختراعا .. البعض أثنى عليه والبعض سخر منه واتهمه بالسرقة لأنه يشبه بحثا قرأ عنه في إحـدى المجلات العلمية .. اقترب أحدهم منه وقال له بصوت خفيض : لا تطمع أن تكون معيدا  غيرك قد حجز مكانه منذ وضع قدمه في هذه الكلية  لا يمكن تعيين أولاد الفقراء أساتذة في هذه الصرح العلمي حتى لو كنت عبقريا. هذا الزمن قد ولّى ، ولن يعود ، طامنْ من غرورك ، ولا تطلق لطموحك العنان .. قد نسمح لك أن تعمل  مهندسا في مصانع صلب الدَّخِيل ، بمرتب لا يحلم به جدك عامل التراحيل ، بشرط أن توقِّع تنازلا عن تبعات حصولك على البكالوريوس ، العقد في انتظارك فكِّر قبل أن ترد ، وإن كنت أرى أنّ لا خيار لك .. لن تحصل على شئ بعيدا عنّا سنقف لك بلمرصاد .. الجرائد الصفراء .. لن تكتب شيئا عن شكوك وأوهامك .كل شئ في هذا البلد تحت سيطرتنا . لا تأمل في عالم أولاد الكبار ، وإذا ساعدت ابن صاحب المصنع في الحصول على الماجستير والدكتوراه ، فلك جائزة ستنقلك نقلة رهيبة .. ستصبح من أولاد الذوات.. ربما تصبح من أصحاب الملايين .. لما لا؟! .. نستطيع أن نشتري منك مشروع تخرجك ولن نحرمك من مقابل مغرٍ.. سنترك لك تقديره ..

00 00 00 00 00  00  00  00 

انصرف من أمام محدثه وهو لا يعرف إن كان يمشي على قدميه أو يمشي على رأسه... فَقَــدَ الاتزان ، وضاع منه الاتجاه .. لم يتوقع أن يسمع ما سمعه .. سمع أن أنجال أمراء الزفت والقار يحصلون على شهادات علمية مدفوعة الثمن من جامعات محلية ودولية ، ولكن أن تحدث معه ، ومعه هو بالذات ، وأن يتنازل عن مستقبله كان يحلم أن يكون معيدا ويحصل على الدكتوراه وبراءة الاختراع في الفلزات المقاومة للحرارة المصاحبة للقنابل الذرية والهيدروجينية ، وربما يحصل على جائزة نوبل  كل شئ تبدد في غمضة عين . فقد القدرة على التفكير .. منْ هؤلاء الذين يقبضون على رقاب العباد ؟!! من عشر سنوات لم يكن لهؤلاء ذكر .. لا أصل ولا حسب ولا نسب ، ولا تميز عقلي .. كانوا مجرد همل .. هل عاد عصر المماليك العبيد؟! .. قال له محدثه : لا خيار لك .. وقال له أيضا : ربما تصبح من أصحاب الملايين .. فَكَّر مليا . ليس أمامه إلا أن يوافق ويساوم ، ويحصل على أكبر عائد ، أو ينتحر كابن المزارع الذي رفضت وزارة الخارجية أن تعينه لمجرد أنه ابن فلاح فقير .. سيطلب خمسة ملايين جنيه في مقابل مشروعه ، ومساعدة ابن صاحب المصنع في الحصول على الماجستير والدكتوراه .. هم يدركون أن المال بلا علم يدعمه يتبدد ويذهب هباءاً .. هل مثْلَ هذا الغبي الذي يحلم بالسلطة أن يتصدر يوما سدة الحكم .. ولما لا؟! سخر من نفسـه ومن أحلامه المحرمة .. لماذا تتعارض أحلامنا في هذه الأيام مع أصحاب المال والسلطان .. أحلامنا بسيطة ومشروعة .  لماذا غُيبت الضمائر ، وحلَّ محلها جبروت الرغبات، وعشوائية المطامع . هل طموحنا أصبح محرما.الطموح الذي لا يدعمه المال والجاه، طموح أعرج كسيح وغبي .. أَ ليس من حقنا أن نتحرر من نير الفقر والعبودية ؟!.. نزواتهم الجهنمية ،  وجشعهم الذي لا حدود له ، لا يسمح لنا إلاّ أن نكون عبيد إحسانهم . وجودنا وحياتنا مشروطة بوجودهم .. أَ أَنزَلَ اللهُ جهنم على الأرض بغتةً ؟!

0   00  00  0  00   0

تفانى في عمله وأخلص له وحقق أرباحا طائلا . . وضع المصنع على خريطة أفضل مصانع الصلب والدرفلة في العالم .. وصادق كل ما يمت بصلة لابن صاحب المصنع .. اقترب من أسرة الدخيل .. شاركهم حفلاتهم ونزواتهم .. عرف صالات الديسكو والبارات .. كان يعبُّ من الحياة بنهم شديد .. أخذ منها ما يكفي آلاف البشر .. ما أُحلَّ وما حُرِّم ، رأي نساءاً لا يستطيع أن يقترب منهن .. مجرد المصافحة مع الانحناء .. خادم أجير .. راودته نفسه الأمارة بالسُّوء أن يصاهر صاحب المصنع ، فنهره وحُرِم من دخول قصر (الدَّخِيل) .. أصبح له حدود لا يخترقها .. المصنع ، والمعمل ومساعدة نجله الوحيد في الحصول على الدكتوراه بعد أن حصل عل الماجستير   سلبوه مستقبله .. امتصوا رحيق الحياة من روحه وجسده ليمنحوها لهذا الأحمق المأفون الذي يحلم بأخطر مناصب الدولة .. يرون طموحه مشروعا، ويرون طموحي أنا غير مشروع .. إمارات وممالك يحكمها "جاويشية " وأطفال وصبية وعسكرتارية متخلفة أتت على القيم والأخلاق ومنجزات الشعوب .. ما الذي يمنع شاب يملك المال وحاصل على الدكتوراه ، وربما على جائزة علمية عالمية ، دون أن يكون له فضل فيما حصل عليه ، من أن يكون في صدارة أخطر المناصب .. لا يوجد مقاييس أو معايير تمنعه من أن يمتلك الأرض ومن عليها .. مادمتَ تمتلك المال والجاه والطموح العشوائي ، فلابد أن تكون كلُّ الخيوط في يدك ..

أيتركه يحصل على كل شئ ، ولا يجني هو إلاّ ما يمنّ به عليه ؟! (يا إلهي أين طريق إلى جهنم؟!) .. هؤلاء لديهم كل شيء مباح .. إِحياءٌ لأرواح لا تستحق الحياة ، وقتلٌ لأرواح بريئة أجدر بأن تعيش الحياة ..  نساء تتضاءل أمامهن ملكات الجمال والفتنة ، نقلوا بطائرتهم الخاصة .. أسيويات وأكرانيات .. وألبانيـات ..لحم أبيض ناصـع البياض لامع وأملس.. رحلات الشتاء والصيف . . فنـادق وقصـور .. شـيكات ودولارات ، ومخدرات .. كلُّ أنواع العقاقير والمقويات ، والفيـاجرا والفـيجا للزبائن الذين يدفعون بسخاء وبذخ ، تجدها في مكاتبهم وسـياراتهم التي صنعت خصيصا لهم وخرجت من المصانع بالأمر المباشر ، وأجهزة تعويضية تمنح نساءهم المتعة بعد أن عجز رجالهم أن يلبوا متعهن المشروعة إسراف إلى حد السفه .. أموال مجهولة المصدر ، وأرباح مبالغ فيها ، واحتكار للسلع والخدمات ، يسيطر عليها الدخيل ونجله ومن حولهم ... حلقة في سلسلة طويلة من مافيا الاحتكار ، ومافيا العقاقير والمخدرات ( البيور) لهم ولمعارفهم .. تفتح لهم الأبواب المغلقة ، وتوصد في وجوه الشرفاء .. 

أوشك نجلهم المدلل أن يناقش رسالة الدكتوراه ، ومع الاحتفال بنيل الدكتوراه ، سيعقد قران التي هفت نفسه إليها إلى نجل أحد الوزراء المخضرمين في الوزارات المتعاقبة من ربع قرن .. حفّظه كل أسرار الرسالة ، ووعى كل دقائقها بذل معه مجهودا خارقا لكي يرد على لجنة المناقشة دون تلعثم أو ارتباك ، ولكن هيهات     

في طريق العودة من المصيف ، لإنجاز بعض المهام قابل سيارات نقل هائلة .. عابرات الحدود .. تحمل أطنانا من السلع . الأرض تهتز بعنفٍ تحت عجلاتها .. نام ليلته بعمق . في الصباح كتب رسالة..أغلقها بإحكام ، وطلب من شقيقه ألاّ يفتحها إلاّ في الوقت المناسب .

بعد أن أنجز مهمته عاد من حيث أتى لينهي السطور الأخيرة في الرسالة مع ابن صاحب المصنع ، ويعودا بعد أيام وبعض أفراد أسرته في سيارتهم المرسيدس الصالون .. كان يسهر في البار وصالة الدسكو حتى آخر الليل .. شرب حتى الثمالة .. كان ذهنه متقدا .. حاضر البديهة ... كانت ملامحه قاسية وحادة ، لدرجة أن ابن صاحب المصنع جفل منه .. كان يتكلم معه بحساب واحترام زائد .. لم يستطع أن يعرف ما يدور بداخله ..

في الصبـاح الباكر استعدوا للعودة ست ساعة هي الزمن الذي يستغرقه طريق العودة ، ويناقش رسالة الدكتوراه بعد يومين فقط ويصبح دكتورا ، أما هو فمجرد أجير ، وربما يقذفون به إلى الشارع ، ويطرد من كنفهم ، وربما يحاربونه أو يغتالونه ؛ لأنه يذكرهم بعارهم ، وغبائهم .. ركبوا السيارة المرسيدس الصالون المدرعة ، ركب بجوار السائق وركب ابن صاحب المصنع مع بعض أفراد أسرته في الصالون الذي يفصله عن كبينة القيادة زجاج سميك ، بحيث لا يسمع ولا يري من في كبينة القيادة ما يدور في الصالون انطلقت السيرة المرسيدس المدرعة بسرعة فائقة راسخة وثابتة على طريق العودة .. عزم على أن ينهي كلّ شئ قبل أن يقولوا كلمتهم الأخيرة ويحددوا مستقبله .. لابد أن يحدد هو مستقبله ولا يتركه في أيد الآخرين كان الطريق خاليا ، والصباح منعشا على غير العادة .. كان صافي الذهن ، مرتاح البال . ساكنا ورابط الجأش .. ثلاث ساعات لم يري في الطريق المقابل سوى سيارات نقل خفيفة ، لاح له من بعيد سيارة من نوع عابرات الحدود ، ضخمة وهائلة . اقتربت ووضحت معالمها ، عجلاتها بارتفاع سيارتهم المرسيدس التفت إلى الخلف وملأ فمه بلعابه وبصق في وجوههم ، وصاح:

- يا سفلة يا أولاد الكلاب ..

=التفت إلى السائق واعتذر له وهجم على عجلة القيادة ووضع السيارة المرسيدس أمام السيارة النقل عابرة الحدود التى عجنتهم جميعا واختلط كلّ شيء في (كوكتيل) غير متجانس : الدماء بالحديد والزجاج بالبنزين والزيت واشتعلت النيران الزرقاء في قطع الحديد والصاج وأتت عليها في دقائق معدودة ، وانتهى كلّ شيء

arlshaf954@hotmail.com

من نحن - انضم إلينا - فهرس المصادر - الإصدارات - التقارير - آداب وفنون