دراسة جدوى لبورصة الاستقالات فـي بـر مـصـر المـحـروسـة

د. أحمد يونس

27 اكتوبر 2005

بالمراجعة الدقيقة لأهم المؤشرات في بورصة الأوراق الاستقالية, على مستوى الوزراء, فما فـوق, استطاع الوطواط المـعجون بماء العفاريت, كاتب هذه السطور, حصـر تشكيلةٍ متنـوعةٍ من الأصناف, يمكن تلخـيص أكثرها شيوعاً خلال السبعين قرناً الأخيـرة من تاريخ مصر, على الوجه التالي:

أولاً: استقالة الوزير الزنان, وهي تلك التي تشبه بكاء الطفل الغـتوت الذي تعود على الدلع المِرِق , حين يرغب في لفت الانتباه بعيداً عن حـجم الخراب الذي لحق بالبيت, نتيجةً لإصراره على اللعب بالنار, وهي غالباً ما تتخذ شكل القـويق الرِخِم, إلى أن يبادر أبوه أو أمه أو الدادا بالمسح على شعره أو خده أو الطبطبة عليه يومين أو ثلاثة أو أكثر. وقد يضـطر السـفرجية أو الكماريرات أو طـقم الخدم مـجتمعاً إلى تهشيكه بالتناوب حتى يسكت,متوسلين إليه: خلاص يا حبيبي فــداك! ما تـعملش يا ضناي في نفـسك كده! مافيش حـاجة أصلاً تستاهل! إيه يعني تمانين تسعين اتحـرقوا غصـبٍ عنك!؟ أمـال لـو كنـت ولعـت في البلد بحـالها!؟ يـعني هو انـت, اسم النبي حارسـك وصـاينك, بَوظت شـوية!؟  حد لا مؤاخذة فتح بقه!؟ إشمعنى المـرادي  عـاملين من الحـبة قـبة!؟ العـيال يامـا بـتتشاقى! يـالله اضحك بقى عشـان نجـيب لك أروصة كـبريت وكام كيس بمب!

الأرجح أنه سينتهز الفرصة ليضيف, كما اعتاد دائماً, إلى قائمة مطالبه الطويلة بـندين أو ثلاثة, مستعيناً بصوته الذي تدرب على أن يـبدو عند اللزوم مفحوماً من العياط: من هـنا ورايـح, لو حتى ولعـت في شـرطة المطافي, ما حـدش يخـضني! الأرجح أيضاً أن الإجابة ستكون: غالي والطلـب رخـيص!

ثانياً: استقالة الوزير الشبطان, والمقصود بها هو تلك التي يطلق عليها الضالعون في تكنولوجيا البقاء على الكرسي إلى الأبد, بالتـخشينة, نظراً إلى أن الهدف الحقيقي من ورائها هو إعادة حشره بين مسندَي المقعد. لكن, بأسلوب الكبس, أو التشبيط, مع مجموعة من الدعامات المحورية الهزازة لامتصاص الصدمات في الظروف الطارئة, فضلاً عن مـسمار ألووظ صليبة, برأس مخروطي محدب, تخانة 6 لينيا. وفوق هذا كله, شنبر إليكتروني وسوستة, لزوم المَرجحة. الخـطوة الأولى ضمن هذا البـرنامج الاستقـالي الديجيتـال تكمن في الضغط على إيد السيفون, لكي يفتتح كورال ندابات الحظيرة على الفور موسمه الفني الرائع لهذا العام بأوبرا العديد والشنشلة, التي لا يعرف غيرها: طرقعي يا رياح! قرقعي يا سماء! ارزعي يا رعود! إديها لطـم بالشباشب على خدودك يا بلد! فالثقافة في مصر من بعده أضـيع من الأيتام على مائدة اللئام, والمشروعات الحضارية الجبارة التي بدأها معاليه حتروح في ستين داهية! سيبوه يـا نـاس ملصم لغاية ما يكـملها! وبما أنه لا مشاريع حـضارية جـبارة هناك ولا يحزنون, فلا بد أن يبقى سيـادته جاثماً على صدر الثقافة إلى يوم يبعثـون. وفي هذه الأثناء, تكون فرقة الكـاراتيه الثقافي, بكامل أعضائها الحاليين أو المعتزلين, قد أنجزت مهمتها الحضارية الجبارة في تـوضيب العصاة: قـطع لسانك مـنـك لـه! أفندية قلالات الأدب صحيح! ما شفتوش الباشا بتاعنا, وهو بيتشحتف في كل قناة شوية, علشان الناس الغلبانين دولم!؟ أرضية, فضائية, بالعربي والطلياني, ما خلاش! هو حيقول كام مرة إنه زعلان ومتنكد على الآخِر!؟ ما عندوش شغلانة تانية اياك, ولا فاضي هو للكلام الفارغ بتاعكو ده!؟ هي صورة!؟ تكونوش فاكرين نفسكو حتقدروا تتنكدوا بطريقة ألذ من الباشا بتاعنا!؟ حاكم النكد ده, زي البالطو البيير كاردان, مش أي واحد يليق عليه! دا وزير يا بهايم مش أي حاجة! و..ز..ي..ر! عارفين يعني إيه وزير!؟ ومش بس كده! دا عنده سرايات, ومراكب سياحية, وشركات ياما, وفلوس بالهبل, ونضارة كارتييه فوشيا, وبياكل لغاية ما يشبع! لازمتها إيه بقى الخوتة دي!؟ كلام عن الجثث المتفحمة, والدكاترة اللي سابوا المصابين, وجريوا يتصوروا مع وزير الصحة, والأمن المركزي اللي نزل ضرب في أهالي الضحايا, والوصف التفصيلي لوضع المطافي والمشرحة والمستشفيات والإسعاف والكل كليلة! إيه السادية دي!؟ ثم الحي ـيا ناسـ أبقى من الميت, والمهم دلوقت هو نجاح مهرجان المسرح التجريبي, علشان سمعة مصر في الخارج!

وعلى حين يروج الوزير الشبطان لفكرة أنه  زاهـد في السلطة, وأن المنصب, بصراحـة كده واقـف عليه بخـسارة, تكون المـواد الميكروسكوبية اللاصقة الشديدة المـفعول التي تـمكن سـيادته من تسريبها داخل هذه الاستقالة التخشينية, قد لحمت منطقة الجلوس عنده بسطح المقعد في نسيج عضوي واحد, بحيث يصبح من سابع المستحيلات الفصل بينهما بدون جراحة.

ثالثاً: استقالة الوزير العشمان, وهي قريبة الشبه جداً ببالونة الاختبار. كـل ما تسعى إليه في الحقيقة هو معرفة مدى معزته عند صاحب الأمر. هل على الحِجر غيره؟ كـل ما تسعى إليه هو معرفة هل هناك شخص آخر في حياة النظام!؟ بالضبط كما تفعل المرأة اللي عاملة عملة سودة, حين تصرخ في الزوج: طـلقني! طـلقني! طـلقني! إلى أن تسمع الرد الذي تمارس هذا الابتزاز العاطفي الفاقع لتحصل عليه: هو معقولة برضه أضحي بقصة حبنا, علشان  شوية رفايع تافهة زي دي!؟ إحنا اللي بيننا عِشرة عمرها دلوقت 18 سنة! يعني مش لعبة!

رابعاً: الاستقالة اعترافاً بالمسئولية أو الفشل الذريع, أو احتراماً للرأي العام أو مشاعر الناس, أو احتجاجاً على الفساد أو الاستئثار بالحكم أو توريثه أو الرضوخ لجميع الإملاءات الأمريكية الصهيونية, أو لإتاحة الفرصة لدم جديد, أو اكتفاءً بما تحقق من ثروات هائلة, كل هذه الأنواع غير متوفرةٍ بالمرة في الأسواق, ولا يبدو أنها ستوجد قريباً.

ملحوظة يتيمة: أشهر من استقال في مصر خلال العقود المريرة الماضية على الإطلاق هـو (الضمير)...! استدراك: هذا ما كنت أظنه. إلى أن أكدت لي كل الوقائع أنه قد أقيل...!

من نحن - انضم إلينا - فهرس المصادر - الإصدارات - التقارير - آداب وفنون