القانون والأخلاق
-
مقارنة
القانون بالأخلاق – أوجه الاختلاف بينهما
- من حيث : النطاق ،
والشدة ، والجزاء
-
أنور أبو
بندورة
-
القدس المحتلة
مقارنة القانون بالاخلاق :
ليست قواعد القانون وحدها هي التي تنظم علاقات الناس في
المجتمع وتحدد لهم سبيل سيرهم وسلوكهم ، بل تقوم إلى جانبها قواعد أخرى تلعب
دورا كبيرا في هذا الشأن يكاد لا يقل عن دور القواعد القانونية أهمية وأثرا ،
وفي مقدمة هذه القواعد تأتي قواعد الاخلاق .
ومن واجبنا ، لكي تكون الفكرة التي نكونها لانفسنا عن
مفهوم القانون كاملة وحدود هذا المفهوم واضحة بالنسبة الينا ، أن نتسائل الآن
عن العلاقة بين القواعد القانونية من جهة والقواعد الاخلاقية من جهة ثانية .
وفي الواقع ، إن التفريق بين القواعد القانونية
والاخلاقية لم يحدد بصورة علمية واضحة إلا في العصور الحديثة وبصورة خاصة في
القرن الثامن عشر . أما في العصور السابقة فقد كان التداخل بين هذه القواعد
كبيرا الى حد يصعب معه التفريق بينهما ، بالرغم من أن الرومان قد عرفوا نوعا
من هذا التفريق ( حيث أن أحد كبار فقهائهم بول
(
Paul
)
كان يقول إن ما يسمح به القانون لا يكون دوما موافقا للاخلاق ، وهو يعني بذلك
أن هنالك فارقا بين القانون من جهة والاخلاق من جهة ثانية ) . في العصور
القديمة ، كان الدين هو المسيطر بين أغلب الشعوب ، وكان ما يأمر به الدين
يعتبر في الوقت ذاته موافقا للاخلاق وواجب الاتباع من الوجهة القانونية .
وبالرغم من أن التداخل لا يزال كبيرا في العصر الحاضر بين
قواعد القانون والاخلاق ، حيث أن الاولى هي في أغلبها مستمدة من الثانية (
فالقواعد التي تأمر بعدم القتل أو السرقة أو بوفاء الديون مثلا هي قواعد
قانونية وأخلاقية في نفس الوقت ) ، بالرغم من هذا التداخل الكبير فقد حاول
فقهاء القرن الثامن عشر ، وبصورة خاصة توماسيوس
(
Thomasius)
وكانت
(
Kant
) ،
بيان بعض الفوارق بينهما ، وهي فوارق يؤدي إليها اختلاف الغاية والهدف
بالنسبة إليهما ، من حيث أن الاخلاق تهدف بصورة رئيسية الى تحقيق الطمأنينة
والسلامة الداخلية للانسان وبلوغ الكمال الفردي ، بينما يهدف القانون قبل كل
شيء الى تحقيق الطمأنينة والسلامة العامة أو الخارجية وتأمين النظام في
المجتمع .
وعلى هذا ، فإن أهم الفوارق بين القواعد القانونية
والقواعد الاخلاقية ، أو بين القانون والأخلاق ، يمكن أن تبدو من ثلاثة وجوه
: من حيث نطاق كل منهما ، من حيث درجتهما في الشدة ، من حيث الجزاء .
اختلاف القانون والاخلاق من حيث
النطاق :
فنطاق القانون هو في الواقع أقل سعة من نطاق الاخلاق .
ذلك أن القانون إنما يهتم فقط بقسم من أعمال الانسان وتصرفاته لا بها كلها ،
وهذا القسم يتضمن التصرفات التي تدخل في نطاق سلوكه الاجتماعي وتتصل بعلاقاته
مع غيره من أفراد المجتمع ، بينما تشمل قواعد الاخلاق هذا النوع من تصرفات
الانسان ، وتشمل أيضا تصرفاته الخاصة التي تدخل في نطاق سلوكه الفردي حتى ولو
لم يكن لها من أثر على علاقاته بالآخرين .
فهناك إذن منطقة مشتركة بين القانون والاخلاق ، وهي تلك
التي تتعلق بتصرفات الانسان في المجتمع وصلاته بالغير كالقواعد المتعلقة بمنع
ارتكاب الجرائم مثلا أو وفاء الالتزاملت أو احترام حقوق وملكيات الآخرين ،
وهي قواعد يفرضها القانون والاخلاق معا . وهناك منطقة خاصة بالاخلاق دون
القانون ، وهي التي تتعلق بسلوك الانسان وتصرفاته الفردية التي لا تأثير لها
على صلاته بالآخرين وذلك كالحث على الصدق أو الشجاعة مثلا ، وهي عبارة عن
قواعد تفرضها الاخلاق دون القانون لنها تتعلق بسلوك الانسان الفردي وتصرفاته
الخاصة التي لا أثر لها بالنسبة لحياته الاجتماعية .
وعلى هذا نجد أن القاعدة تظل تعتبر قاعدة أخلاقية لا
قانونية طالما أنها تتعلق بالفرد وحده دون أن تؤثر على الآخرين في المجتمع ،
فإذا امتد أثر القاعدة الى هؤلاء أصبحت قاعدة قانونية وأخلاقية معا .
فالاخلاق مثلا تستنكر الكذب العادي الذي لا ينجم عنه ضرر للغير ولكن القانون
لا يعاقب عليه ، أما إذا سبب هذا الكذب ضرر للغيى ، كما في شهادة الزور ، فلا
يكون منع هذا الكذب عبارة عن مجرد قاعدة أخلاقية فقط وإنما يصبح قاعدة
أخلاقية وقانونية معا . وكذلك الاخلاق لا ترضى بالجبن والتخاذل ، ولكن
القانون لا يعاقب الانسان على جبنه وتخاذله إلا حين يكون هنالك ضرر منهما
بالنسبة للمجتمع كما في حالة عدم تقديم مساعدة ممكنة لمصاب إثر حادث طرق مثلا
.
وإذا كانت هنالك منطقة مشتركة بين القانون والاخلاق ،
ومنطقة اخرى خاصة بالاخلاق دون القانون ، فإن هنالك منطقة ثالثة يتولى
القانون تنظيمها دون أن تكون للاخلاق صلة بها ، كما في القواعد المتعلقة مثلا
بتنظيم السير التي يفرضها القانون العام لتأمين النظام وتجنب وقوع الاصطدمات
بينما لا توجد للاخلاق علاقة بها . فلا يهم الاخلاق أن يكون السير في الطريق
عن يمين أو يسار .
اختلاف القانون والاخلاق من حيث
الشدة :
وفي الواقع ، إذا كانت هنالك منطقة مشتركة بين القانون
والاخلاق ، وهي تلك التي تتعلق بتصرفات الانسان ذات الصلة بحياته الاجتماعية
وعلاقاته بالافراد الآخرين في المجتمع ، فإن القواعد القانونية قد تختلف في
بعض الاحيان عن القواعد الاخلاقية في هذا المجال وتكون أقل شدة منها وأكثر
تساهلا بسبب مقتضيات المصلحة والضرورة .
وعلى هذا نجد أنه ، حتى في حقل التنظيم الاجتماعي ، قد
تختلف قواعد القانون عن قواعد الاخلاق ، ذلك أن الاخلاق إنما تهدف دوما الى
الاصلاح التام والكمال المطلق بينما يحرص القانون على مراعاة اعتبارات اخرى
كالمصلحة والنفع الى جانب النثل الاخلاقية التي يحاول تحقيقها . فالاخلاق
مثلا لا ترضى بحال من الاحوال أن يمتنع انسان عن وفاء دينه مهما مر على
الدَين من مدة أو زمن دون المطالبة به من قبل صاحبه ، أما القانون فإنه يبيح
لهذا الانسان أن يمتنع عن وفاء دينه بعد فترة معينة من الزمن إذا لم يطالبه
صاحبه به خلالها ( وهذا ما يسمى بالتقادم ) لانه يعتبر أن المصلحة تقضي بألا
تظل المنازاعات القانونية قائمة دوما ومستمرة . وكذلك قد يعتبر منافيا
للاخلاق أن يظلم البائع المشتري ظلما فاحشا في ثمن ما يشتريه منه ، ولكن
القانون قد لا يمنع هذا الظلم إلا في ظروف خاصة ، حرصا على المصلحة التي تقضي
باستقرار المعاملات وعدم افساح المجال لابطال العقود بصورة واسعة .
ومن هنا يتضح لنا معنى جملة الفقيه الروماني بول
(
Paul
)
من أن ما يسمح به القانون لا يكون موافقا للاخلاق ، كما أن الفقيه الفرنسي
بورتاليس (
Portalis
)
يشير الى مثل هذا المعنى حين يقول إن " ما لا يكون مخالفا للقوانين فهو مشروع
، ولكن ليس كل ما هو مطابق للقوانين يكون دوما شريفا ، لان القوانين إنما
تهتم بالمصلحة السياسية للمجتمع أكثر من اهتمامها بالكمال الخلقي للانسان "
.
اختلاف القانون والاخلاق من حيث
الجزاء :
فالقواعد القانونية إنما تتميز بأنها مؤيدة من قبل الدولة
التي تستطيع أن تفرضها بالقوة حين القتضاء ، أما القواعد الاخلاقية فإن الذي
يفرضها على المرء هو ضميره ووجدانه أو الضمير العام في المجتمع ولكن بدون
تدخل من قبل الدولة . فالانسان مثلا يمتنع عن الكذب لأنه يأنف الكذب ولا
يرتضيه لنفسه أو خشية الناس الذين قد يحتقرونه ويحجبون ثقتهم عنه ، ولكنه
يمتنع عن شهادة الزور لهذه الاسباب نفسها ولان الدولة أيضا تعاقب على شهادة
الزور .
هذه هي أهم الفوارق التي تميز القانون عن الاخلاق . ومن
الضروري أن نشير هنا الى أنه ، بالرغم من هذه الفوارق ، فالصلة لا تزال قوية
جدا ومتينة بين القانون من جهة والاخلاق من جهة ثانية ، وهي ستظل أبدا قوية
متينة . فالقاعدة الاخلاقية ، كما يقول ريبير
(
Ripert
)
تحاول دائما أن تصبح قاعدة قانونية ، والقواعد القانونية ، كما يقول جوسران
(
Josserand
)
هي مستمدة في أغلبها من الاخلاق ، لدرجة أن القانون ليس سوى الاخلاق حين
ترتدي صبغة الزامية .
-
المراجع :
- Ripert: La régle
morale dans les obligations civiles, quatrième éd. 1949.
-
(
ريبير : القواعد الاخلاقية في قانون الالتزامات المدنية ، الطبعة
الرابعة 1949 ) .
- وأما عبارة
الفقيه الروماني بول
(
Paul
)
فمذكورة في كتاب روبيه عن النظرية العامة للقانون
، انظر :Roubier 41
- وعبارة
الفقيه الفرنسي بورتاليس
(
Portalis
)
قد وردت في خطابه التمهيدي عن القانون الفرنسي
( Discours préliminaire
)
-
وعبارة
جوسران
(
Josserand
)
قد وردت في الجزء الاول من كتابه في القانون المدني
: انظر :
- No. 3
Josserand