بين نورما خوري و أحمد الجلبي

د. ثائر دوري

22/8/2004


القصة بسيطة - كاتبة أردنية الأصل اسمها نورما خوري لجأت إلى استراليا و حصلت هناك على لجوء سياسي أو إنساني، بدعوى أن حياتها مهددة في بلدها الأردن بسبب جريمة شرف. ثم ألفت كتاباً عن هذا الموضوع لقي هذا الكتاب رواجاً غريباً فقد باعت منه ربع مليون نسخة في شهر، أقل أو أكثر قليلاً. ثم فجأة اكتشفت سلطات الهجرة و القراء و دار النشر التي نشرت الكتاب في استراليا و الغرب أنها تعرضت لعملية نصب، فهذه اللاجئة السياسية المفترضة تبين أنها مواطنة أمريكية من أصل أردني فهي تعيش في الولايات المتحدة منذ كان عمرها ثلاث سنوات.

ماذا يعني هذا ؟

يعني أن قصتها مختلقة و أن كل ما روته عن تعرضها لخطر القتل بسبب جرائم الشرف غير صحيح، و هو تلفيق بتلفيق.

(( تورد نورما خوري في روايتها تفاصيل صداقتها مع امرأة مسلمة تدعى داليا كانت شريكتها في صالون لتصفيف الشعر لكلا الجنسين بالعاصمة الأردنية عمان.

وتروي نورما كيف وقعت داليا في حب أحد زبائنها وهو جندي مسيحي كاثوليكي يدعى مايكل. وعندما علمت عائلة داليا بقصة الحب, ثار غضبها وقام والدها بطعنها حتى الموت, مما دفع بنورما إلى الفرار من الأردن, طبقا لروايتها.

وقد حازت نورما خوري صاحبة هذه القصة التي اعتبرت حقيقية ومروعة عن الحب والانتقام في الأردن، على جائزة الكتابة الواقعية في أستراليا. ونشرت الرواية دار راندوم للنشر في 15 بلدا، وبيع منها حتى الآن نحو 200 ألف نسخة في أستراليا))

يمكن تبسيط هذه القصة إلى قصة احتيال عادية. قصة نصب من القصص التي تحدث عشرات آلاف المرات كل يوم.  لكن حتى لو اعتبرنا الأمر مجرد قضية نصب و شخصية نصابة لا بأس من التذكير إن النصاب هو من يلعب على عواطف الشخص المقابل. فكما يعبر المثل الشعبي عن ذلك بالقول (( إن النصابين بخير بوجود الطماعين)) أي أن النصاب يحتاج إلى شخص آخر متفاعل معه و مستجيب له. لهذا السبب يمتاز النصابون بخبرة هائلة بالنفس البشرية و خفاياها تجعلهم قادرين من النظرة الأولى على معرفة الأزمة التي يعاني منها الطرف الآخر و ما هو الشيء الذي يؤثر به. فإذا كان هاجسه مالي دخلوا إليه من هذا الباب. وإذا كان الطرف الآخر، موضوع النصب،  فتاة تخشى أن يفوتها قطار الزواج لعب النصاب على هذا الوتر و هكذا دواليك...............

 بمعنى انه إذا وجد شخص سوي بدون أزمات فإن النصاب لا مكان له، وبالعكس عندما تتكاثر الأزمات والأوهام يتكاثر النصابون.

و هكذا فإن عملية النصب تحتاج إلى طرفين: النصاب، والشخص المأزوم أو غير السوي و بدون هذه المعادلة لا يمكن أن يتم الأمر أبداً. لكن المجتمع لأسباب كثيرة اعتاد إلقاء اللوم على الطرف الأول من المعادلة، النصاب، و على تبرئة الطرف الثاني. و في حالات استثنائية تكون الروح الرياضية للطرف الآخر، ضحية النصب، عالية فيعترف أنه مذنب أيضاً لأنه اقتنع بهذا الهراء أو السراب مع أن العاقل لا يصدقه.

و قصة نورما خوري حكاية نصب نموذجية. شخصية ذكية تبحث عن المال و الشهرة. عاشت في الغرب وخبرت هواجسه و عرفت كيف ينظر إلى الشرق فأسمعته ما يود سماعه عن الشرق. رسمت للغربيين  الصورة التي يتخيلونها عن الشرق و عن المرأة الشرقية المضطهدة و عن الجنس القاتل في ذلك الشرق، و موضوع اضطهاد المرأة و الحريم و الجواري و القيان في الشرق موضوع محبب للفكر الإستشراقي و قد نسج حوله ما لا يحصى من الخرافات و المبالغات. لهذا السبب باعت نورما خوري بفترة وجيزة ربع مليون نسخة، و نالت، لاحظ، جائزة الكتابة الواقعية، فيما لو أنها كتبت عن الشرق الواقعي، الشرق الذي يتعرض للعدوان و يقاوم حتى بأظافره، أو عن هذه البنى الاجتماعية، التي رغم كل عيوبها و رغم كل ملاحظاتنا عليها قادرة على صد العدوان الغربي بشكل لا طاقة لبنى اجتماعية أخرى بتحمله. هذه البنى الاجتماعية التي ما زالت رغم كل الصعوبات والتحديات ترتقي يوماً بعد يوم بشكل يثير إعجاب أي مراقب محايد. فعلى سبيل المثال رغم الاحتلال و رغم القتل و التدمير و الحصار و حالة الحرب المعلنة منذ مائة عام على شعبنا العربي الفلسطيني، رغم كل ذلك فالأسرة الفلسطينية علمت أبنائها أفضل العلوم و بشكل لا يختلف بل ربما يفوق أية أسرة غربية. و بالمقارنة، لو وضعت أسرة فرنسية أو أسرة أمريكية بنفس الظروف هل كانت ستبقى مجرد بقاء على قيد الحياة ؟!  لو أن نورما خوري كتبت عن هذا الشرق الواقعي هل كانت ستبيع عشر نسخ من كتابها..........!!

من الملوم في هذه الحالة؛ نورما النصابة أم المجتمع الغربي المليء بخيالات الاستشراق، و الذي يبدو أنه غير مستعد في الوقت الراهن لأن ينظر إلى الشرق الواقعي؟  لأنه لو فعل ذلك فسيعترف بأن الشرق على قدم المساواة إنسانياً مع الغرب، بينما النظرة الاستشراقية تجعله ينظر إليه كآخر متخلف لا يستحق الحياة، و في أحسن الحالات يستحق أن يوضع في المتاحف كشيء مدهش نستمتع برؤيته لنؤكد تفوق حضارتنا، التي تحترم حق الحياة و تقدس الجسد فلا تقتل المرأة لأنها مارست حقها الطبيعي بامتلاك جسدها و التصرف به كما تريد....!!!

نورما خوري أسمعت الغربيين ما يودون سماعه عن الشرق و رسمت لهم الصورة التي يتخيلونها، وعندما اكتشفوا أنها كذبت عليهم، لاموها دون أن يحاكموا الصورة و الأفكار التي يحملونها عن الشرق بل ذهبوا يبحثون عن نصاب آخر يعزز لهم هذه الأوهام.

نورما تستحق اللوم لأنها نصابة لكن من يتذكر أن النصاب يحتاج إلى أحمق أو مغفل أو طماع كي يكتمل عمله. في هذا السياق من يتذكر الآن قضية أحمد الجلبي التي تشبه تفاصيل قضية نورما خوري لكن على مستوى أخطر. فهو أسمع صقور البيت الأبيض و البنتاغون ما يرغبون سماعه عن العراق؛ فحدثهم عن أسلحة الدمار الشامل، و عن مظلومية بعض الطوائف، وعن الزهور التي سيستقبلهم بها الشعب العراقي. ونال على ذلك الكلام الكثير من المال و الأضواء و الإعلام؛ و عندما تبين أن ذلك خرافة لا علاقة لها بالواقع بتاتاً، اتهموه بالكذب والنصب لكنهم نسوا أنهم هم من أراد أن يسمع هذا الكلام و ما كان على أحمد الجلبي، أو غيره، إلا أن يسمعهم ما يرغبون بسماعه.

 نورما خوري و أحمد الجلبي هما صدى لما يفكر به الغرب. هما المونولوج الغربي الداخلي. لكن الغرب غير مستعد للاعتراف بأن خيالاته و أوهامه عن الشرق غير مطابقة للواقع!  لذا، سيكون هناك كثير من النصابين في المستقبل.