- صفحة الحوادث
والأدب الروائي
أحمد الخميسي
السبت 4 سبتمبر 2004
صفحة الحوادث في
الجرائد - هي أعظم ناشر للروايات والقصص، وستجد في حوادثها شخصيات
مرسومة، ودوافع واضحة، وحبكة فنية ليست بحاجة لتعديل تقريبا. ولا أتخيل
جريدة حقيقية من دون هذه الصفحة. ولو كنت مكان رؤساء تحرير المجلات
الأدبية لضمنتها صفحة حوادث باعتبارها مادة أدبية خصبة.
وعادة فإن أول ما
أفتش عنه في الصحف وأول ما أقرأه هو تلك الصفحة، وعندما أنتهي منها تماما
أنظر في عناوين الصفحة الأولى. وأنا أطالع قصص الحوادث بشغف واهتمام
كبيرين لأسباب فنية، واجتماعية، وسياسية. ذلك أن تلك الحوادث تطرح قضايا
الصراع الاجتماعي من زواياه الحادة الدرامية التي تنتهي فيها مصائر البشر
بالقتل، أو الانتحار، أو الهروب.
ومازلت أذكر قصة
امرأة من قرية نائية قتلت منذ عام سيدة عجوز لأنها بحاجة إلي جنيهين
اثنين، لأن زوجها الذي هاجر للقاهرة لا يرسل لها مع طفليها سوى جنيه واحد
يوميا، فالجنيهان اللذان قد نلمع بهما حذاء في القاهرة يساويان حياة عجوز
تقتل في الريف، وتحويل مسار امرأة شابة من ربة بيت إلي مجرمة، ثم تيتيم
ولدين للأبد.
ويتضمن عدد 30 أغسطس
من الأهرام حادثة عن شابة في الثلاثين من عمرها، تزوجت من سائق مسن منذ
ثماني سنوات أنجبت خلالها خمسة أطفال في حي روض الفرج، وفي ليلة الحادثة
استيقظ الزوج ليلا على صراخ أحد أطفاله فأيقظها لترى ما الذي يحتاجه
الطفل، فنهضت بهدوء واتجهت إلي الحمام وأغلقت الباب عليها ثم صبت على
جسدها كيروسين وأشعلت النار في نفسها. بسؤال الجيران فيما بعد اتضح أن كل
مشكلات الزوجة كانت العمل الشاق داخل البيت. ولكن لنا أن نتخيل الجزء
السابق على الزواج، أي الظروف التي أرغمتها وهي شابة على الزواج من رجل
مسن، ثم إنجاب الأطفال من رجل لا تحبه، ثم القيام ليل نهار بخدمة أطفال
الضرورة من دون محبة لهم، أو شوق لزوجها، أو أمل في تغيير حياتها، أو
ساعة راحة.
بوسعك في صفحة
الحوادث أن ترى نسيج الحياة وهي تصارع في أشد لحظاتها احتداما وتأزما
وصراعا، وبوسعك أيضا أن ترى النماذج الأدبية الكبيرة.
ويذكر الكثيرون رواية
غسان كنفاني الجميلة "رجال في الشمس"، حيث يحاول بعض الفلسطينيين دخول
الكويت بطريقة غير شرعية بحثا عن فرصة عمل، فيتكدسون داخل صهريج سيارة
لنقل الوقود، وتتعطل بهم السيارة عند الحدود لحين الانتهاء من إعداد
تصريح الدخول، فيموتون ببطيء، داخل الصهريج، من دون صوت.
ولن يخطر على بال أحد
أن هذه الحادثة تقريبا كما هي قد تقع عندنا.
ففي عدد الأهرام
المشار إليه ستجد رجال آخرين من عندنا في الشمس. حدث ذلك عندما ضبطت
أجهزة الأمن ثمانين شخصا على الحدود المصرية الليبية وهم يحاولون التسلل
إلي ليبيا بحثا عن فرصة عمل.
الآن تخيل بهدوء
ثمانين شخصا يتجمعون في الصحراء، تدفعهم ظروف الحياة القاسية للهروب إلي
الجحيم، بحثا عن الخبز والعمل، ثم تخيل كيف ألقي القبض عليهم، لأنهم
يحاولون توفير مستلزمات الحياة الضرورية لهم ولأبنائهم.
القبض عليهم ذاته
مضحك، ويثير الرغبة في البكاء، فهل يعد السعي وراء الطعام جريمة؟ وهل
يلقى القبض على الذئاب والعصافير والكلاب التي تفتش عن طعامها؟
على أية حال لك أن
تتخيل أن أجهزة قامت بترحيلهم إلي مديرية أمن الإسكندرية، حيث تم تحديد
هوية كل منهم، ثم تم جمعهم بعد ذلك في سيارتي ترحيل، حيث حشروا كل أربعين
شخصا داخل سيارة! ولك أن تتخيل أنه كان
واضحا للجميع: للشرطة وللأربعين شخصا وللسائق أن ذلك العدد أكثر مما
تحتمله سيارة واحدة.
وتخيل تلك الصيحات
اليائسة لأولئك الباحثين عن طعام وراء الحدود وهم يزعقون بأن جوف السيارة
لا يتسع لهم، فلا يستمع أحد إليهم!
ثم تحركت السيارتان
على الطريق إلي القاهرة قاصدتين قسم شرطة الخليفة، تحمل ثمانين شخصا
متهما بالبحث عن الطعام! وبسبب تكدس اللحم البشري توفي اثنان مختنقين،
وأصيب أربعة آخرون باختناق واضطراب في التنفس!
وعندما وصلت
السيارتان إلي قسم الخليفة كانت تنتظرهما عشر سيارات إسعاف نقلت الجميع
إلي المستشفى!
إنهم رجال آخرون، تحت
شمس أخرى، قتلوا داخل السيارات ليس في رحلة الذهاب، ولكن في رحلة العودة
إلي الوطن!
|