"اختطاف الكارثة"
فيلم يملأ الفراغ الناجم عن الفشل الصحفي

روبرت جنسن

13 سبتمبر 2004.

ترجمة: احمد زكي


كنت اعمل صحافيا لطول الوقت فيما سبق وتحولت إلى أستاذ محاضرا في الصحافة.  داومت على ارتكاب أفعال صحفية كلما اتفق، واحتفظت بعاطفة عميقة، وانتماء، للمهنة ومثالياتها.  وهذا هو السبب الذي يجعلني أتألم من قولي هذا: أداء وسائل الإعلام الإخبارية للمؤسسات الأمريكية الكبرى بعد 9/11 قد كان الانهيار الأكثر اكتمالا والأخطر للصحافة طوال عمري.

هذه هي الأخبار السيئة.  الأخبار الطيبة هي أن الفراغ قد ملأته مؤسسات أخرى، منها مؤسسة تعليم الميديا بوثيقتها التسجيلية الجديدة "اختطاف الكارثة: 9/11، الخوف وتسويق الإمبراطورية الأمريكية".

أداء الصحافيين هذا حول بدايات عملية الغزو الأمريكي للعراق كان متدنيا جدا لدرجة أن اكبر صحيفتين يوميتين في البلاد، الواشنطن بوست والنيويورك تايمز، اجبرا فعليا على الانخراط في عملية نقد ذاتي صغيرة، برغم انه كان نقدا سطحيا وغير كاف.  ترحيب وسائل الإعلام في الولايات المتحدة على الخدمة كموصلات للأكاذيب، وأنصاف الحقائق، والتشويه الذي استخدمتهم إدارة بوش من اجل خلق مبررات للحرب، هذه الخدمة تظهر كم كان من السهل على الصحافيين أن يتحولوا في الواقع العملي إلى عملاء لحملة دعاية تشنها الدولة، والتي أدت في هذه الحالة لتعبئة التأييد الشعبي لحرب غير شرعية.

ولكن الأكاذيب التي أدت لحرب العراق كانت فقط جزء من قصة اكبر، أهم قصة في الثلاث سنوات السابقة: تناول إدارة بوش لمأساة 9/11 لتمتد وتكثف من مشروع بناء الإمبراطورية الذي تتبناه الولايات المتحدة منذ وقت طويل (واشتراك معظم الديموقراطيين معهم في هذا المسعى).

 لم توفر أي مطبوعة ولا شبكة في صحافة الولايات المتحدة السائدة أي تحليل نقدي مستقل لذلك المشروع.  حفنة من الصحافيين فقط، اغلبهم في الهامش، هم الذين تجاسروا على تناول بعض أجزاء قليلة منه.  كان أفضل الأعمال المتماسكة عنه في الصحافة الأجنبية أو في الصحافة البديلة في الولايات المتحدة.

كان هذا أيضا عام التسجيل السياسي الوثائقي، و"اختطاف الكارثة" هو أفضل فيلم من نوعه حتى الآن.

(مصارحة كاملة: أنا كنت واحدا من الناس الذين تمت مقابلتهم من اجل "اختطاف الكارثة"، وقد ظهرت في فيلمين آخرين للمؤسسة MEF.  وافقت على الاشتراك في هذه المشاريع بسبب، أنني وصلت إلى احترام جودة العمل والتكامل الذي عليه العاملون بهذه المؤسسة، بعد سنوات من استخدامي لأعمالهم في الدروس التي القيها).

حتى هذا العام انصب اهتمام المؤسسة مبدأيا على نقد وسائل الإعلام؛ إنتاجها الفيلمي تفحص تأثير وسائل الإعلام الجماهيرية على سياسة الولايات المتحدة وثقافتها.  اضطلعت مؤسسة تعليم الميديا بشكل أولي بدور شرح الانهيارات في الصحافة، وليس أداء عمل الصحافيين.  بفيلم "اختطاف الكارثة"، اضطلع المخرجان سوت جهالي وجيريمي إرب أيضا بتلك المهمة، لتغطية القصة التي على تلك الأهمية الرهيبة للمرحلة الحالية للإمبراطورية الأمريكية التي تركها الصحفيون تتسرب من بين أصابعهم.

يركز الفيلم على موضوعين رئيسيين اثنين:  أجندة المحافظين الجدد من اجل هيمنة الولايات المتحدة على العالم، التي تم وضعها منذ زمن طويل قبل 9/11، وبيع تلك الأجندة للجمهور في الولايات المتحدة بعد 9/11.

تعود القصة الأولى إلى أوائل التسعينات ومع نهاية الحرب الباردة، عندما كان المخططون السياسيون من أمثال بول ولفوويتس (النائب الحالي لوزير الدفاع) يجهزون سياسة خارجية أكثر عدوانية ويرتبون أوضاعا عسكرية تسمح للولايات المتحدة بتعظيم الاستفادة من انهيار الاتحاد السوفييتي وتسمح بالهيمنة على الكوكب بطرق لم تكن ممكنة من قبل.  في نفس ذلك الوقت، كانت تعتبر الخطط متطرفة أكثر من اللازم لدرجة أن إدارة بوش الأولى حكمت هؤلاء المتطرفين الإيديولوجيين؛ تستطيع إمبراطورية الولايات المتحدة أن تتقدم للامام ولكن ليس بهذا الشكل الجذري.

هؤلاء المخططون من المحافظين الجدد، إبان ما بقي من التسعينات، اخذوا يتميزون غيظا مما شاهدوه على انه مقاربة غير عدوانية بشكل كاف لتوسيع الإمبراطورية في عهد إدارة كلينتون.  مشروع القرن الأمريكي الجديد، دبابة الفكر المحافظ الجديد، خلق كناقلة لترويج هذه الإيديولوجيا، التي استطاعت أن تكون في بؤرة الأضواء في مسرح إدارة جورج دابليو بوش.

إلا أن، المقاومة لمثل هذا المشروع العدواني والخطر استمرت، والمشروع لا يزال مطروحا للبيع للجمهور في الولايات المتحدة.  هجمات 9/11 خلقت المناخ السياسي الذي جعل من هذا الأمر ممكنا.

الرواية الثانية التي يرويها "اختطاف الكارثة" هي كيف أن إدارة بوش – مرة اخرى، مع الديموقراطيين سواء كانوا من الداعمين او ممن استنكف جانبا، ووسائل الإعلام الإخبارية تلعب ككلاب الزينة على الحجر – وضعت تصميمات حملة الدعاية ونفذتها لاستغلال مخاوف الجمهور من الإرهاب واللعب بها لتبرير أولا الغزو اللا أخلاقي والغير شرعي والذي لا ثمرة من وراءه لأفغانستان (الذي وضعت خطته لتدعيم الوجود المادي للولايات المتحدة في وسط آسيا) ثم بعد ذلك الغزو الأكثر فجورا بشكل جلي والكارثي للعراق (وضعت خطته لتدعيم الوجود المادي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط).

اقر عرضان من الواشنطن بوست والنيويورك تايمز كلاهما بان الفيلم يعرض منطقا "عليما، ودقيقا، وعلى صلة بالأمر" ويصنع "قضية مقنعة" (القضية التي، ربما، كان يجب أن يكتبها الصحفيون في هذين الصحيفتين طوال الوقت).  كلا الاستعراضان لاحظا أيضا أن تقدمة جهاللي وإرب "للحقائق كان دون أي تزويق مسل" ويميزان فيلم "اختطاف الكارثة" كفيلم مختلف عن "فهرنهايت 9/11"، فيلم "أكثر رصانة، ولكن ليس اقل حصافة" من فيلم مايكل مور.

الفشل المتكرر للصحافيين بوضع القوي في مكان المسائلة يجب ان يخضع للنقاش الجدي ليس فقط بين أعضاء المهنة ولكن بيننا كلنا.  إذا لم يمنحنا الصحفيون مصدرا مستقلا عن حق للأنباء بدلا من إخضاع أنفسهم بشكل روتيني للسلطة – خصوصا في أزمنة الحرب والأزمات القومية – من الصعب تخيل كيف يستطيع المواطنون إخبار أنفسهم بشكل كاف للدرجة التي تتيح لهم الاشتراك في الساحة السياسية بطريقة لها معناها.

ولكن عندما يفشل الصحفيون، من الممكن بالنسبة للمؤسسات الأخرى أن تضطلع ببعض من التزامات وسائل الإعلام الإخبارية.  هذا لا يعني ان مؤسسة تعليم الميديا أو جماعات مماثلة تستطيع أن تستبدل المؤسسات الصحفية الموجودة بمؤسساتها الخاصة.  ولا يعني هذا أيضا أن جهاللي وإرب يظهرون أنفسهم أمام الجمهور كصحافيين، بنفس الطريقة التي يقوم بها ما يسمون الصحفيون "الموضوعيون".

بدلا من ذلك، أفلام مماثلة للـ "اختطاف الكارثة" يوفر معلومات وتحليل، من توجه سياسي (ناقد، ومنشق، وتقدمي – تاريخيا، إعلام صحافة العظماء) يقف في المقدمة.  السؤال ليس هو هل الناس الذين صنعوا الفيلم وظهروا فيه لديهم ميل سياسي – بالطبع هم لديهم ميل سياسي، بالضبط كالصحفيين في الصحافة السائدة وكما تفعل المؤسسات الصحفية السائدة.  السؤال هو هل المعلومات المقدمة دقيقة، هل الأحكام المنطوقة شريفة، والاستنتاجات التي توصلوا إليها مؤثرة.

بهذه المعايير، "اختطاف الكارثة" هو واحد من أفضل الأعمال الصحفية في السنوات الأخيرة.

 


من اجل أي تفاصيل عن فيلم "اختطاف الكارثة"، اذهب إلى: http://hijackingcatastrophe.org

من اجل أي تفاصيل عن مؤسسة تعليم الميديا، اذهب إلى:  http://mef.tv

روبرت جنسن هو أستاذ للصحافة في جامعة تكساس باوستن وهو مؤلف كتاب "مواطنو الإمبراطورية: الكفاح من اجل المطالبة بإنسانيتنا" من دار نشر أضواء المدينة. 

عنوانه الاليكتروني: rjensen@uts.cc.utexas.edu