- إذاعتا
موزاييك وسوا.. وجهان لعملة واحدة
سفيان الشورابي
13 سبتمبر 2004.
يلتقط التونسيون
منذ بضعة أشهر بث إذاعة خاصة جديدة انضافت إلى باكورة
الإذاعات الوطنية والجهوية الأخرى، لتقدم
للمستمعين نوعية جديدة من البرامج
ولتتحفهم بآخر ما صدر من الأغاني الشبابية.
ويتنزل انبعاث إذاعة موزاييك في
إطار التمشي الهادف نحو فتح باب الإعلام
السمعي البصري أمام القطاع الخاص
والتخلي التدريجي عن احتكار الدولة لهذا
المجال، بعد الاقتناع على ما يبدو
بانعدام الجدوى والمردودية من تحكم أجهزة
السلطة بصفة مطلقة في وسائل
الاتصال، والإحساس بمدى خطورة نفض التونسيين أيديهم
مما يقدم إليهم سواء في
الإذاعات أو في التلفزة.
عموما فإن الدعاية
الرسمية عادة ما تطمس الحقيقة وتغلفها بغشاء ناعم مرددة
بان إذاعة " موزاييك " تعمل من أجل الترفيه عن
المواطنين والاستجابة
للأذواق المختلفة وحتى المتنافرة لديهم. كما ترى بأن
أفضل وسيلة للاقتراب
من الإنسان العادي
والبسيط هو التحدث بلهجته وأسلوب كلامه حتى يسقط ذلك
الحاجز الفاصل بين الباث والمتلقي.
لكن ليست هذه حقيقة
الأمر فكرة تونسية خالصة، جوهرا ومضمونا وغلافا. فالكل
يتذكر ما سبق أن طرح في تونس بشأن بعث مركز
لتقوية إرسال إذاعة " سوا
الأمريكية الناطقة بلغة الضاد، حتى يسهل التقاطها
وتتغلغل موجاتها داخل
الجمهورية، ولكن لعدّة اعتبارات، يبدو أنه تم التخلي
عن هذا المشروع.
ومعروف بأن إذاعة "
سوا "، إضافة إلى باقة القنوات الفضائية والإذاعية
الأخرى تتنزل في سياق الاستراتيجية الإعلامية
الأمريكية بالمنطقة. وما
يهمنا هنا هو اكتشاف ذلك الرابط العضوي والعلاقة
المشبوهة بين إذاعتي "
موزاييك " و " سوا "
خاصة وانهما تتشابهان كثيرا.
فالمقارنة لا تتطلب
جهدا كبيرا وهي تكشف وجود تطابق يكاد يتحول إلى تماثل
بين محتوى برامج الإذاعتين، فكلاهما يعتمد على
التواتر في بث الأغاني
الشرقية والغربية على مدار الساعة. والاثنتان تفتقدان
إلى برامج سياسية
وفكرية وثقافية
هادفة. ويشتركان في سرعة وإيجاز بث الأخبار من دون تحليلات
ولا نقاشات، كما تلتقيان في تردي مستوى
الحوارات والمنتديات.
عديدة هي نقاط
الاشتراك الأخرى بين الإذاعتين، عدا كون " موزاييك " تنفذ
إلى مسامعنا بلهجتنا المحلية وتنبش في مشاكل
مجتمعنا الداخلية. أما المهم
في كل هذا فهو قراءة الأبعاد الأخرى للتجربة الإذاعية
الفتية، وتمحيص
جوانبها المتعددة،
وكشف المستور من ظاهرة لا تبدو بريئة إلا عند صحفنا المحلية.
إن إذاعة موزاييك
وغيرها من وسائل الإعلام الخاصة التي بلغ إلى مسامعنا
اقتراب توالدها الواحدة تلو الأخرى، هي في
الأصل أدوات تلعب دورا خطيرا في
حياة المجتمع وتحمل على عاتقها مهمات جسيمة.
فالقاعدة تقول بأن ما من وسيلة
إعلام أو دعاية إلا وتحمل رسالة خفية أو تنشر
أفكارا وتزرع أنماط سلوك، وتستهدف أساسا الذهنية الجمعية وتصبغ الحقائق
بمساحيق ملونة.
فما هي الرسالة التي
تريد إذاعة موزاييك إيصالها لنا وتحديدا إلى شبابنا ؟
من الضروري هنا
استحضار الدور البارز الذي لعبته الثورة العلمية ومثيلتها
التكنولوجية في تسريع وتيرة هيمنة الثقافة
الكونية الجديدة وهي ثقافة تسعى
لتنميط أذواق الناس في جميع أصقاع العالم وفق
استراتيجية محكمة الإتقان،
هدفها تحقيق انفجار
استهلاكي ضخم تستفيد من ورائه حفنة من الصناعيين
والمضاربين وكبار التجار الذين يتحكمون في
إدارة دواليب الاقتصاد العالمي.
ومن الملاحظ بأن
تحقيق هذه الأهداف الربحية رهين بإغراق المجتمعات بوعي
زائف ينفذ بين أضلع المنظومة الاجتماعية
القائمة ويستهدف مباشرة مسح
المخيال الشعبي وتفتيته وقلع جذوره وتكبيله أمام أي
محاولة تطور كي يتحول
الكائن البشري إلى آلة من دون تاريخ أو هوية، تتحكم
فيه أهواء الشركات
ورغبتها في الربح الأقصى.
والسؤال الذي يتبادر
للذهن ما علاقة إذاعتنا المسكينة بكل هذا ؟
إجابتنا بسيطة تاتي
من قلم الدكتور نبيل علي " لقد ساد الإعلام ووسائله
الالكترونية الحديثة ساحة الثقافة، حتى جاز
للبعض أن يطلق عليها ثقافة
الميديا، وثقافة التكنولوجيا، وثقافة الوسائط
المتعددة، وكما لقب أرسطو "
بالمعلم الأول " حاز والت ديزني على لقب "المعلم
الأعظم" بعد أن باتت
الثقافة، إعلامها، ترفيهها، تصنيعا لا تنظيرا ". وما
موزاييك إلا أحد
مكونات هذه الميديا التي تحولت إلى صناعة للسلع
الثقافية. وما ربطنا آنفا
بين هذه الإذاعة وشقيقتها الأمريكية إلا عمدا بغاية
وضعها في إطارها
وسياقها العام.
فمن خلال جرد بسيط
لبرامج الموزاييك نكتشف المضامين التالية:
-
غناء وموسيقى راقصة تبث كامل اليوم
-
انعدام البرامج الحوارية الجادة واقتصار بعضها على
التطرق
لاهتمامات سطحية
-
تشريك المستمعين في البرامج اليومية مع حصر تدخلاتهم
في تقديم
الاهداءات
-
الافتقار إلى نشرات أخبار موضوعية
-
تضخيم مواعيد وشخصيات ثانوية وتركيز الأنظار عليها
-
إشهار مكثف
وبناء على ذلك هناك
من الملاحظات التي تطرح هنا أولها تسطيح الوعي وتنمية
النزعات الاستهلاكية وإشاعة القيم المادية
وتدمير العلاقة بين الفكر
والثقاة الراقيين والمجتمع التونسي من جهة اخرى عن
طريق النفخ في ظواهر
عابرة تصنعها أيادي
خفية لغايات في نفس يعقوب. إضافة إلى اللعب على وتيرة
اللا وعي وتحريك صراع نفساني باطني يمزق شخصية
الإنسان، متدثرة برمزية
الأحداث الداخلية والخارجية بهدف تكبيل العقل المحلي
ووضع جدار ضخم بينه
وبين واقعه وإلهائه عن مشاكله الآنية والوجودية.
ثانيا لقد ولى وانتهى
على ما يبدو زمن كانت فيه الإذاعة تلعب دورا تربويا
وأخلاقيا وتعليميا، وتساهم بدور فعال في محو
الأمية ودعم التعليم الرسمي
وتحقيق التلاقح بين الثقافات والمجتمعات، من خلال
التفاعل الايجابي الحي مع
إبداعات التراث
واكتشافات الحداثة. تسعى الإذاعة من خلال ذلك إلى لعب دور
المروج والناشر داخل بنيان المجتمع لزخم ثقافي
وفكري يصعب الوصول إليه من
خارج ذلك. فالإذاعة بشعبيتها وجماهيريتها كانت أداة
تحارب التخلف الثقافي
والعلمي وتهدم الهوة بين النخبوي والشعبي.
|