- قضايا المجتمع -

المراهقة  (1)
من مرحلة عمرية إلى أزمة مجتمعية

بقلم: د. احمد نصار

1/9/2003


تعتبر فكرة "فترة المراهقة" – أي الفترة الممتدة بين النضوج الجنسي وتولي أدوار البالغين لمسؤولياتهم – فكرة حديثة العهد وإن أصبحت راسخة الجذور.   فقديما كان الزواج المبكر وإنجاب الأطفال يمثلان القاعدة, حيث يتم تزويج الفتيات بعد الحيض بقليل, والبنين يتزوجون عادة في سن أكبر قليلا من عرائسهم حتى تتاح لهم فرصة التدريب الأولى على أدوارهم, بوصفهم أرباب هذه الأسر, والمشاركين الأساسيين في علاقات أسرهم مع المجتمع الخارجي.  والزوجات قد تم تدريبهن على أن يكن أمهات وعاملات ماهرات في تأدية الخدمات المنزلية أثناء فترة طفولتهن.

لقد كان الخوف من تحول الفتاة إلى ضحية جنسية، أو بعض المفاهيم السائدة عن الميول الجنسية لدى المرأة والتي تتطلب الضبط الاجتماعي عن طريق العزل أو فرض قيود أخرى أو التشويه الجسدى – ختان الإناث – دافعا للزواج المبكر الذي يخلص المجتمع من المسئولية المفترضة والمتمثلة في حماية الشابة الناضجة جنسيا من الآخرين ومن نفسها !!!!
ومع انتقال البنات والبنين مباشرة من مرحلة الطفولة إلى وضع البالغين وتكوين الأسر وممارسة النشاط الجنسي داخل المؤسسة الشرعية المعترف بها اجتماعيا – الأسرة – لا يبقى أي مجال لمفهوم المراهقة، ومن هنا يمكن القول أن المجتمع المصري لم يتعرف علي هذه المرحلة في حياة الأفراد ولم تكن تمثل ظاهرة تستحق التوقف والملاحظة إلا مع انتشار التعليم ومشاريع التحديث, أي مع زيادة التصنيع والتحضر اللذين يحتاجان إلى فترة إعداد أطول لدخول الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وفي الآونة الأخيرة يشهد المجتمع المصري تغيرات كبيرة في الهرم السكاني حيث:

  1. تقل نسبة الأطفال بسبب تأخر سن الزواج وسياسات الحد من الإنجاب.
  2. تزداد نسبة الإفراد الواقعين في فترة المراهقة بسبب النضوج الجنسي المبكر وتأخر سن الزواج ومع تزايد الأزمة المجتمعية الشاملة حيث الركود الاقتصادي، والبطالة، وتعذر الحصول على مسكن

فمن المتوقع زيادة نسبة الأفراد الفرادى single عن نسبة الأفراد المنضوين تحت خيمة المؤسسة الاجتماعية الشرعية – الأسرة.   وهذا يعني أن فترة المراهقة سوف تتمدد لتشمل سنوات أطول من عمر المواطن المصري, وتشمل نسبة كبيرة من عدد السكان.   وإذا كان المجتمع قد بات عاجزا عن الوفاء باحتياجات هذه النسبة الكبيرة من مواطنيه, فلم يعد قادرا على خلق فرص للتشغيل، ولم يعد قادرا على حل مشكلة الإسكان، ولم يعد قادرا حتى على تغيير عاداته وتقاليده في مسألة الزواج وتكلفته المادية، هنا تتحول فترة "المراهقة", من قضية مرحلة عمرية انتقالية ومحدودة في عمر الفرد, تحتاج إلى فهم ورعاية المحيطين به, إلي قضية مجتمع تقع نسبة كبيرة من أفراده في هذه المرحلة.   

وهذا يتطلب انشغال كل القوي السياسية ومنظمات المجتمع المدني والقيادات الطبيعية بهذه القضية، أي أن يحشد المجتمع كل قواه الحية والفاعلة من أجل وضع تصور للتعامل مع هذه الحقيقة حتى لا تتحول هذه القطاعات الواسعة إلي طاقات مهدرة, ينتشر بينهم العنف والإدمان, ويزداد عدد الضحايا لأمراض منقولة جنسيا أو أمراض نفسية ناجمة عن الكبت وعدم التحقق. أي تتحول نسبة كبيرة من أبناء هذا الشعب إلى بيئة قابلة لكل ما هو ضار بدلا من أن تكون قاطرة التقدم والازدهار.

لم يعد كافيا أن تتحدث القوى السياسية عن حقوق الشباب والطلاب باعتبارها حقوقا لشرائح معينة في المجتمع المصري، ولا ينبغي لهذه القوي أن تعيد علي مسامعنا ذات المطالب التى وإن تحققت فلن تغير كثيرا في جوهر القضية - اتساع الفترة مابين النضوج الجنسي وتكوين الأسرة – وإن تغيرت الأسباب. إن الأمر أصبح في حاجة ملحة للاشتباك الحقيقي, وبالجرأة الكافية, لطرح القضية بالوضوح والشفافية اللازمين لتناولها, ودق جرس الإنذار المدوي داخل المجتمع ليستيقظ من سباته وغفلته, لينتبه إلي حقيقة أن أطره ومؤسساته وقيمه قد أصبحت أسمالا ممزقة لا تصلح لإعادة الرتق من جديد. وأن عليه أن يبحث عن منظومة جديدة للقيم, وأشكالا جديدة لتنظيم علاقات, تتوائم مع ظروف أفراده ومع شروط التحديث المجتمعي الشامل. وبدون ذلك لا نلومن إلا أنفسنا.

أعلم أن الموروث الثقافي يقف حائلا قويا بيننا وبين مواجهة مشكلاتنا بالشفافية الواجبة.  وأعلم أن التيارات السلفية بما تمثله من وصاية على المجتمع سوف تتصدى لهذه المحاولات, وسوف تحرم مجرد التماس مع هذه القضايا تحت زعم أن "الصوم جنة"، وأعلم أيضا أن سلطة الفساد لن تسمح بطرح هذه القضايا بقوة داخل المجتمع, حيث أنها تستثمر حالة الاحتقان الحادثة في الترويج لسلعها الفاسدة وقيمها الهابطة، حيث تجد سوقا متعطشا لهذه السلع المبتذلة.

إن مجتمعا لا يكترث بوجود الكتلة الرئيسية منه - عددا وطاقة وحيوية – خارج أطره وفاعلياته, ويكتفي بالتفرج عليها وهي تجوب شوارع المدن في مسيرات التسكع الصامتة, ولا يهتز من أجلهم، بل أن الكبار منه يستثمرون هذه الأوضاع المأساوية من أجل تحقيق أكبر مكاسب ممكنة. انه مجتمع فاقد العقل يمضي بخطى ثابتة في اتجاه التحلل والفوضى، ووجب على هؤلاء الواقفين على رصيفه أن يحجروا عليه، ولا يكتفوا بالخروج الصامت عليه.

إن مصداقية القوى السياسية المصرية تتوقف على مدى قدرتها في التعبير عن هذه الكتلة الرئيسية وقدرتها فى اجتذاب هذه الملايين داخل صفوفها. وهذا لن يحدث بذات الشعارات المعلبة وذات الأساليب البالية، ولكن حدوثه مرهون بأن تغير هذه القوى من نظرتها الفوقية ومن موقفها الاستعلائي؛ الذي ينطلق من أن هذه الكتلة من البشر لا تشغل موقعا في عملية الإنتاج, وليست متواجدة في منظمات أو تجمعات, وليس لها أصوات انتخابية, وليست حريصة على المشاركة السياسية. نعم هم كذلك ولكنهم أيضا وفي ذات الوقت أصبحوا يمثلون أغلبية السكان، لذا لم يعد كافيا أن يظل أمرهم متروكا لما يسمى الأجنحة الشبابية لهذا الحزب أو ذاك.

إن الأمر يحتاج لحوار "قومي عام", يشارك فيه الجميع.   وهذه دعوة للحوار, فهل نبدأ ؟؟؟؟

- الجزء الثانى -

 

من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الإصدارات - التقارير - كفاية