لفت نظري في كتاب الدكتور لويس عوض "
أوراق العمر " توقفه عند معركة دارت في الثلاثينات بين الطربوش وأنصاره
من ناحية، والقبعة من ناحية أخرى. وكانت المعركة ذات أبعاد اجتماعية،
وطنية، ثقافية، بل وسياسية.
وكانت
مصر إلي عهد محمد على باشا تستورد الطربوش من الخارج، إلي أن أنشأ محمد
على في إطار برنامجه لتصنيع البلاد واستقلالها مصنعا للطرابيش في فوة،
استغنت مصر به عن الاستيراد. وعندما حطم الغرب دولة محمد علي باتفاقية
1840 كان حريصا على تفكيك مصانعه بما في ذلك مصنع الطرابيش.
وقد
اشتعلت معركة الطربوش على خلفية معركة أخرى أعم وأشمل بحثا عن هوية مصر:
هل هي فرعونية ؟ أم إسلامية ؟ أم أنها تنتسب للبحر الأبيض المتوسط ؟
واكتسب الطربوش في هذا المناخ دلالة خاصة " قومية " باعتباره رمزا في
مواجهة قبعة الأوربيين الغزاة. وانبرى سلامة موسى على صفحات المجلة
الجديدة يذكر المصريين بأن الطربوش من بقايا تبعية مصر للحكم التركي،
بينما انقض غيره في صحف أخرى يلعنون القبعة ومن يرتديها. وأصبح الطربوش
فجأة تيارا سياسيا له هيبة في الشارع المصري.
وفي
هذه اللحظة ظهر سياسي شاب هو "أحمد حسين", أنشأ جماعة للشباب الحر، تحولت
فيما بعد إلي " جمعية مصر الفتاة " وكان شعارها : " الله الوطن الملك "
، وغايتها : " أن تصبح مصر فوق الجميع " ، ودعا إلي مقاطعة السلع
الأجنبية واستقلال مصر الاقتصادي . وفيما بعد ألف تشكيلا عسكريا باسم "
القمصان الخضر ". لكن برامج أحمد حسين خلت من أية كلمة عن الدستور
والحريات أو إنهاء الاحتلال البريطاني، مما أثار التساؤلات حول نشاط أحمد
حسين.
وقام
أحمد حسين وهو طالب في السنة الثانية بكلية الحقوق بطرح مشروع القرش.
وكانت الفكرة أن يتبرع كل مواطن بقرش صاغ واحد ليبنى بالحصيلة مصنع
للطرابيش. واعتمد في دعوته للمشروع على أنه عار على المصريين أن يستوردوا
لباس رأسهم القومي من الخارج. ووجد المشروع إهمالا من الصحف إلي أن
تبناه صدقي باشا، وأصدر تعليماته بأن تقدم الحكومة للمشروع كل التسهيلات.
لكن
حزب الوفد المصري اتخذ موقفا معاديا للمشروع وأعلن النحاس باشا أن هدف
المشروع هو: " حرف جهود الشباب عن قضية مصر الحقيقية " يقصد جلاء
الاحتلال. وقال طه حسين إنه يخشى أن يكون هذا النشاط الشبابي " هروبا من
ثورة الفكر ".
وظهرت
في تلك الفترة تقاليع متعمدة ردا على مشروع القرش، فابتكر البعض طربوشا
مختلفا بألوان العلم المصري حينذاك، أي أخضر اللون بزر أبيض. فكان لابسه
على حد قول الدكتور لويس: " يبدو وكأنه يلبس فحل فجل ". وبالرغم من كل
ذلك اتخذت الحملة من أجل الطربوش صورة قومية، اشترك فيها آلاف المتطوعين
في القاهرة والإسكندرية وعواصم المحافظات وباركتها الأحزاب السياسية
وسخرت لها الحكومة فرق الموسيقى العسكرية والحفلات وشارك فيها المطربون
ولاعبو السيرك. وكان الدكتور لويس عوض أحد المتطوعين وحمل معه دفترين
من تلك الكوبونات ليبيعها في مدينة المنيا بالصعيد. وبلغت حصيلة مشروع
القرش في العام الأول نحو 17 ألف جنيه، وفي العام التالي نحو 13 ألف جنيه
وهي مبالغ خرافية بمقاييس الثلاثينات.
وبلغت
ثقة أحمد حسين في عدالة ووطنية مشروعه أن الدعوة التي وجهها إلي الشعب
للتبرع من أجل استقلال مصر الاقتصادي في فبراير 1932 تضمنت نبرة التهديد
حين جاء فيها قوله: " لا يفكر شخص في الامتناع عن شراء طوابع القرش،
فالمتطوعون مكلفون بالتعرض لكل شخص لا يحمل طابع القرش، والمتطوعون ألوف
وألوف، وإذن فخير لك أن تدفع ".
وأسفر
مشروع الطربوش بالفعل عن إنشاء مصنع في العباسية بالتعاقد مع شركة
هاريتمان الألمانية، وافتتح المصنع في 15 فبراير 1933.
ويوضح
برنامج جمعية مصر الفتاة، ثم " المبادئ العشرة " المعلنة لاحقا, حالة من
الفزع المضطرب بسبب حاضر مصر المحتلة حينذاك ومستقبلها. فلابد لكل مصري
أن يؤمن بأن مصر فوق الجميع، وأن يشعل القومية المصرية، وأن تصبح كلمة
المصرية هي العليا وما عداها لغوا. أضف إلي ذلك: "لا تتحدث إلا
بالعربية. لا تشتر إلا من مصري ولا تلبس إلا ما صنع في مصر. احفظ نشيد
اسلمي يا مصر, ورتله في كل حفل. ابعث مجد مصر". ثم وأخيرا: " احتقر
كل ما هو أجنبي وتعصب لقوميتك إلي حد الجنون ".
لم
يعد أحد الآن يدعو إلي الطربوش. إلا أن رائحة المعركة القديمة مازالت
تسري في مناخ حاضرنا. وما زال البحث جاريا في ظروف جديدة عن هوية مصر،
وما إن كان الطربوش أليق بها أم القبعة؟ وهل ينبغي أن نبحث عن صورة مصر
في الماضي الإسلامي أم في ثقافة البحر الأبيض المتوسط، أم في الماضي
الفرعوني، أم بالارتباط الوثيق بالقبعة الأوروبية؟ لكن صورة مصر لن تتضح
إلا باشتباك مصر – ليس مع قبعات وطرابيش الماضي – ولكن مع مشكلات حاضرها
ومستقبلها. وبهذا الاشتباك وحده قد تجد مصر نفسها.. وتعرف.. من تكون؟
وحينئذ ستصبح قادرة على حب أبنائها والعطف عليهم ، لأنها ستكون قد عثرت
على نفسها .
أحمد الخميسي . كاتب
مصري
|