- الحركة الاجتماعية -

قضية أموال التأمينات......
ونظامنا التأميني المفترى عليه

خالد على عمر، مدير مركز هشام مبارك للقانون
اللجنة التحضيرية؛ اللجنة القومية للدفاع عن حقوق أصحاب المعاشات والمؤمن عليهم

10/1/2004


رحل عنا عام 2003 دون أنا يأخذ معه ما حمله لنا من مساوئ ومصائب وكوارث سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي أو المحلى، وجاء عام 2004 ليرث كل هذا الإرث. ولعل إحدى وأهم المصائب والكوارث التى تطرح نفسها على الواقع المصري فى بداية العام الجديد هي قضية أموال التأمينات الاجتماعية ومستقبل 18.3 مليون مؤمن عليه، حيث ترجع القضية إلى اقتراض الحكومة مبالغ طائلة من أموال التأمينات عن طريق بنك الاستثمار القومى بلغت 175 مليار جنيه طبقا لتصريح رئيس الوزراء لصوت الأمة 28/12/2003 الأمر الذى أدى إلى ارتفاع الدين الداخلي إلى المعدلات والحدود غير الآمنة وأصبح من اللازم وضع الحلول من أجل تخفيض هذا الدين. وقد تقدمت الحكومة باقتراحين الأول يشتمل على: ضم أموال التأمينات إلى الخزانة العامة وحلول الدولة محلها فى سداد المعاشات والتأمينات الشهرية وهو اقتراح قدمته الدولة على استحياء وخاصة أنه كانت هناك سابقة لهذا الاقتراح فى الثلاثينات وعجزت الدولة وقتها عن سداد أموال التأمينات والمعاشات وهو ما يرجح عدم الأخذ بهذا المقترح.

أما الاقتراح الثاني وهو: الجاري اتخاذ إجراءات تمهيدية لتنفيذه و يستند على قيام الخزانة العامة بإجراء مقاصة بشأن هذه الديون مع التأمينات حيث تقوم بموجب هذه المقاصة بإسقاط ديونها لدى التأمينات في مقابل تمليك التأمينات عددا من الوحدات الاقتصادية والشركات - وهناك تعتيم على أسماء هذه الوحدات أو الشركات المطروحة - على أن يكون للحكومة الاحتفاظ بحق إدارة هذه الوحدات تحت إشراف الوزراء المختصين، فما يتم نقله هو حق الملكية دون حق الإدارة.

وتقوم الحكومة  بتسويق هذا المقترح تحت زعم فشل نظامنا التأميني ،وأنه يعطى للمستفيدين حقوق أكثر مما يساهمون به من اشتراكات، وأن هذا النظام التأميني يحمل الخزانة العامة العديد من الأعباء استنادا إلى أن صافى الاشتراكات بلغ فى العام الحالي 2001 - 2002 حوالي 14.1 مليار جنيه بينما بلغ إجمالي المعاشات والتعويضات المدفوعة نحو 17.2 مليار جنيه بما يوضح وجود فجوة قدرها 3.1 مليار جنيه فى مقابل 2.4 مليار عن العام السابق والذي بلغت جملة الاشتراكات فيه 13 مليار مقابل معاشات وتأمينات بلغت 15.4 مليار.  ويذهب وزير التخطيط - د/ عثمان محمد عثمان - إلى أن صندوق التأمين الخاص بعمال القطاعين العام والخاص قد توقف عن ضخ أي فائض،وأن صندوق التأمين الخاص بعمال الحكومة ضخ نحو 3 مليار جنيه هذا العام، لذلك فالحكومة تقدمت بمشروع قانون لتعديل النظام التأميني يعمل على خلق توازن بين متحصلات الهيئة وأعبائها – طبقا لزعم الحكومة- لمحاولة علاج فوائض أموال التأمينات التي تتجه للتناقص.....

والحقيقة، أن ما تدعيه الحكومة به العديد من المغالطات حيث أنها تحمل النظام التأميني المصري بمثالب ليست به، وخاصة أنه يعد من أنجح الأنظمة التأمينية.    ونوجز حقيقة الأوضاع فى عدة نقاط:

أولا:

أن نظامنا التأميني ليس بنظام فاشل وخاصة أنه استطاع تحقيق فائض قدره 175 مليار جنيه قامت الحكومة باقتراضهم عن طريق بنك الاستثمار القومي، وهذا الفائض هو أوضح دليل على نجاح النظام، وأبلغ رد على المزاعم الحكومية.

ثانيا: أن المؤمن عليهم لم يحصلوا على أكثر مما يستحقون بل إنهم سددوا - ومازالوا - نسب تأمينية تعد مرتفعة عند مقارنتها بالمعدلات والمعايير العالمية حيث يستقطع من أجر العامل فى الحكومة 35% من الأجر، وفى القطاع العام 38% من الأجر، وفى القطاع الخاص 40% من الأجر وذلك عن المعاش الأساسي شاملا ما يدفعه العامل وصاحب العمل سواء كان حكومة أو قطاع عام أو قطاع أعمال أو قطاع خاص.

ثالثا:

إن عدم قيام صندوق القطاعين العام والخاص بضخ أي فائض لا يعود إلى فشل الصندوق أو قلة موارده وإنما يعود إلى الطريقة التى تم بها تقييم المركز المالى للصندوق واحتساب عائد استثمار على أساس 7% فقط وليس 11% وفقا لما يجب أن يكون.   حيث أن النظام التأميني فى مصر - وطبقا لما صرح به مستشار وزير المالية بمقالة فى الأهرام 15/12/2003 - يقوم على إقراض الصندوقين (صندوق العاملين بالحكومة - صندوق العاملين بالقطاع العام والخاص) الفائض لديهما إلى بنك الاستثمار القومى بفائدة قدرها 11% سنويا، ويقوم البنك بإقراض هذه الأموال مرة أخرى للخزانة العامة لتمويل الاستثمارات العامة بنسبة 12% سنويا، وتمويل الهيئات الاقتصادية بنسبة 13% سنويا. وقد أسهم بنك الاستثمار القومى بنحو 73% من الإنفاق الاستثماري عام 1999/2001، وزادت إلى 80% عام 2002 / 2003 وبالتالي فإن حساب عائد استثمار أموال الصندوق لدى بنك الاستثمار وفقا للنسبة الحقيقية 11% سوف يوضح الموقف الحقيقي للصندوق.

رابعا:

هناك عجز وفجوة بين الاشتراكات المحصلة والمعاشات والتعويضات المدفوعة ولا يعود سببها إلى فساد أو فشل النظام التأميني الذى حقق فائض مذهل كما سبق أن أوضحنا وإنما يعود إلى أسباب أخرى منها:

1- إن ما يطلق عليه بالمعاش الاستثنائي أو معاش السادات أو معاش الضمان الاجتماعى ليس من قبيل المعاشات وإنما هى من أنظمة الضمان الاجتماعى الذى يجب على الدولة أن تتحمله كاملا باعتباره جزءا من مسئوليتها قبل الفقراء من مواطنيها.  إلا أنها لا تتحمل منه شيئا حيث يتم دفعه كاملا من أموال التأمينات والمعاشات، ويبلغ عدد المستفيدين من هذا الضمان نحو 8 ملايين مواطن ولو تم فصل هذا الضمان عن أموال التأمينات وتحملته الحكومة فإن ذلك سيحقق فائض فى أموال التأمينات وسيكون من شأنه سد الفجوة أو تضيقها.

2- إن الدولة منذ بداية عقد التسعينات تبنت وطبقت برامج الخصخصة والتكيف الهيكلي وما استتبعته هذه البرامج من إجبار العديد من العاملين على الخروج من العمل عن طريق المعاش المبكر وتحولوا من ممولين للتأمينات إلى مستحقين.  وقد اقترب عددهم من 200 ألف عامل ودون أن يكون للنظام التأميني أى ذنب فى هذا الخلل حيث تبنت الدولة هذه البرامج دون النظر لأثارها على أموال التأمينات.

3- إن التهرب التأميني أحد أهم الأسباب التى تزيد من الفجوة وهناك 30% من شركات القطاع الخاص لا تقوم بالتأمين على عمالها سواء كان ذلك كليا أو جزئيا عن طريق عدم التأمين مطلقا أو التأمين عليهم بأجر أقل من الأجر الحقيقي، وهناك العديد من شركات القطاع العام وقطاع الأعمال التى تتباطأ فى إرسال الاشتراكات إلى التأمينات والعمل على سد فجوات التهرب التأميني وتطبيق عقوبات رادعة سوف يساهم فى سد الفجوة بين الاشتراكات المحصلة والتأمينات المدفوعة، ويكفى أن نشير هنا إلى ما جاء بجريدة العربي فى 28/12/2003 من أن العديد من المؤسسات الصحفية فى مقدمه المتهربين من سداد أموال التأمينات حيث بلغت مديونيتها 350 مليون جنيه.  فما بالنا لو تم حصر باقي المتهربين وتحصيل المستحقات منهم.

4- إن جزء من الفجوة لا يعود إلى النظام التأميني فى ذاته وإنما يعود إلى سوء إدارة هذه الأموال حيث تم المضاربة فى البورصة بحوالى 300 مليون جنيه من صندوق التأمين والمعاشات و 600 مليون أخرى من صندوق التأمين على القطاعين الأعمال والخاص.

خامساً:

إن الادعاء بأن الخزانة العامة تتحمل أعباء كثيرة من جراء نظامنا التأميني هو ادعاء مخالف للحقيقة فالخزانة العامة لا تتحمل إلا نسب اشتراك عمال الحكومة فقط شأنها شأن أى صاحب عمل والعكس هو الصحيح حيث أن الخزانة العامة – كما سبق وأوضحنا- هي التي تحمل أموال المعاشات بأنظمة الضمان الاجتماعي.

سادساً:

إن جملة ديون التأمينات لدى الحكومة تبلغ 175 مليار وبفرض صحة ما تدعيه الحكومة من فشل هذا النظام فتحت أي منطق يمكن تصور حل مشكلة التأمينات كما تصورها الحكومة بمجرد شرائها للمؤسسات والشركات المطروحة وخاصة أن هذه الشركات فى حد ذاتها عاجزة عن إنقاذ نفسها ولم تتمكن الحكومة من تسويقها ضمن برنامج الخصخصة، ثم من الذى سيقيم أصول هذه الشركات وخاصة إن ما تم خصخصته لم يحقق إلا اجمالي قدره 17 مليار جنيه فقط. فمن أين إذن للحكومة بالمؤسسات التى ستفي بكامل مستحقات الهيئة اللهم إذا كانت الحكومة تنوى تمليك التأمينات قناة السويس مثلا..؟؟؟

سابعاً:

أن أموال التأمينات ليست ملك وزارة التأمينات ولا بنك الاستثمار ولا الخزانة العامة ولا الحكومة فهى أموال خاصة وملك لأصحابها الممولين ولا يجوز التصرف فيها طبقا للدستور دون الرجوع لأصحابها.

ثامنا:

أن الادعاء بأن الاتحاد العام لنقابات عمال مصر وافق على مقترح المقاصة باعتباره ممثلا لحقوق المؤمن عليهم هو ادعاء مخالف للحقيقة من زاويتين:

  1. أن أعضاء المنظمات النقابية العمالية هم مجرد جزء من المؤمن عليهم حيث يبلغ عددهم طبقا لأعلى التقديرات ما يقترب من 5 ملايين عامل فى مقابل 18.3 مليون مواطن مؤمن عليهم .وهو ما يوضح أن هناك 13.3 مليون مواطن ليس لهم ممثل على فرض صحة اعتبار الاتحاد ممثلا لأعضاء التنظيم النقابي العمالي.

  2. إن الاتحاد العام لنقابات العمال لا يمكن اعتباره ممثلا لأعضاء التنظيم النقابي لأنه تشكل استنادا إلى انتخابات باطلة سواء فى الاتحاد العام أو النقابات العامة أو اللجان النقابية، وهناك أحكام من القضاء الإداري بذلك وأيدتها المحكمة الإدارية العليا فى ديسمبر 2003، ووزارة القوى العاملة تمتنع عن تنفيذ الأحكام، وفى هذا السياق أيضا هناك أحكام خاصة ببطلان بعض النقابات العامة ومنها النقابة العامة لعمال الغزل والنسيج التى يرأسها السيد راشد رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال ووكيل مجلس الشعب عن العمال وقد صدر هذا الحكم من القضاء الإداري منذ 2001 وطعن عليه الوزير وكذلك طعن عليه سيد راشد بصفته رئيس النقابة ورئيس الاتحاد وقد تم ضم كلا الطاعنين وصدر حكم الإدارية العليا برفضهما وتأييد حكم القضاء الإداري ببطلان انتخابات النقابة العامة لعمال النسيج وهو ما يفيد بطلان تشكيل هذه المنظمات من ناحية وبطلان رئاسة سيد راشد للنقابة العامة لعمال النسيج من ناحية أخرى.

تاسعاً:

إن الأزمة ليست فى نظامنا التأميني وإنما فى عدم قدرة الحكومة على سداد ديونها لدى التأمينات التى تتراكم عام بعد عام.   فطبقا لتصريحات رئيس الوزراء فقد بلغت هذه المديونية 60 مليار منذ 15 عام والآن أصبحت 175 مليار ليصل إجمالي الدين الداخلي 280 مليار فى مقابل 29.2 مليار دين خارجي. وكل هذه الديون فى الحقيقة تدل على فشل إدارة الاقتصاد المصري وليس فشل نظامنا التأميني.

وخلاصة القول،،

فإن الحكومة تحت مأزق الدين الداخلي تسعى للخروج من أزمتها عن طريق أموال التأمينات والتي بلغت 175 مليار بالإضافة لخدمة الدين الخاص بها والبالغ 16 مليار سنويا، فنجاح الحكومة في إجراء المقاصة سيساعدها على تخفيض الدين الداخلي إلى 105 مليار، ويمكنها في نفس الوقت من إعادة تمويل برنامج الخصخصة عن طريق أموال الأرامل وكبار السن.

فالقضية ليست فى نظامنا التأميني إنما فى حكومتنا التى تعجز عن إدارة اقتصادنا.

 

من نحن - انضم إلينا - فهرس المصادر - الإصدارات - التقارير - كفاية