من قبل كنت أتابع كل شئ ، ثم توقفت عن متابعة أي شئ
. توقفت منذ شهور طويلة عن شراء الصحف ، أية صحف . لم أعد أفتح
التلفزيون . توقفت عن توقيع البيانات السياسية ، وتوقفت عن النقاش فيما
يحدث حولنا . أخبار الأحداث السياسية الهامة صرت أتسقطها من أفواه
معارفي خلال مكالمات هاتفية عابرة ، أو لقاءات بالمصادفة وسط المدينة .
قلت لنفسي : لا شئ
يتغير إلي الأفضل . وكنت أعلم أنني مخطئ ، وأن ما أقوله يعني أنني لا
أرصد التغيرات بدقة . فلابد أن هناك أشياء تتحرك إلي الأحسن وأنا لا
أراها . توقفت عن الكتابة في القضايا السياسية حتى عندما ضربت رفح على
حدود مصر ضربا وحشيا ، وتهدم من غزة ما تهدم ، وفقد ثلاثمائة ألف فلسطيني
نصف دخولهم ، لأنهم شعب يؤمن بأن الهواء الذي زفرته رئتاه هواؤه ، وهم
يقولون له إن ذلك الإيمان تعصب ، وتحجر ديني ، أو تحجر قومي ، أو حتى
ماركسي ، وعلاجه الوحيد قناة الحرة الأمريكية والليبرالية وحوار الحضارات
وجبهة من كل الإصلاحيين والديمقراطيين لمواجهة المحافظين من كل الاتجاهات
، وأننا في النهاية سنحصل عوضا عن أرضنا على مجتمعات مدنية تزهو بتعددية
الآراء وتناقش حقوق الإنسان وليس حقوق الأوطان ، فإذا لم يعجبنا ذلك
العرض السخي فإن قصفا جديدا سيبدأ لتثبيت الإصلاح الديمقراطي وقبول الآخر
. من قبل كنت أتابع كل شئ ، ثم توقفت عن متابعة أي شئ . لكني بحكم العادة
والفضول القديم أشغل التلفزيون من حين لآخر، أشاهد فقط مقدمة النشرة
الإخبارية التي تستغرق أقل من نصف الدقيقة ، وخلال ذلك ، مثل الماء الذي
ترفع عنه السدود فجأة ، تتدفق نعوش أطفال الفلسطينيين من شاشة التلفزيون
إلي صالة بيتي ، يحملها الناس وهم يهرولون بها قبل أن تشن عليهم غارة
جديدة ، لدفعهم دفعا نحو الحرية التي يبغضونها لسبب ما . أغلق التلفزيون
وأندم أنني فتحته . لكن طوفان الأطفال الذين ينظرون إلي بلوم يكون قد سرى
من الشاشة الصغيرة وشغل كل فراغ في شقتي . طوفان ينظر إلي بعتاب ، وعدم
فهم ، نظرة مذنبة ، مشبعة بالرجاء لأنه احتمي بمنزلي دون استئذان ، وشغل
كل المساحات الشاغرة بين قطع الأثاث في غرفة مكتبي وغرفة نومي وفي الردهة
الممتدة من الصالة إلي الحمام والمطبخ . يستريح الأطفال قليلا من جحيم
القتل اليومي ، ويألفون المكان ، ولا يغادرون شقتي ، لأن الدنيا في
الخارج مرعبة . وما أن أنهض من مكاني لأنتقل إلي غرفة أخرى حتى يسارعون
بالسير خلفي مثل سرب من البط الأبيض ، ويتبعون خطواتي أينما توجهت
برؤوسهم المشجوجة ، والشاش الأبيض الذي يربط الفك السفلي بأعلى الرأس ،
كأنه شريط يطوق هدية مرفوعة إلي السماء . صفوف طويلة من البط الأبيض
الصغير تسكن معي منذ شهور طويلة ، وتتبعني كأنها وجدتني وتخشى أن تفقدني
الآن ، تتنقل ورائي من غرفة لأخرى ، وتسارع بالتكدس حول قدمي في المطبخ ،
وحين أغادر المسكن يقف البط الأبيض الصغير عند باب الشقة صفوفا ، يتأملني
برقابه النحيلة الطويلة ، ويهز رأسه قليلا ، ومنقاره السفلي مثبت بقطعة
شاش إلي رأسه ، ينظر إلي صامتا ، يتساءل إن كنت سأعود إليه أم لا ؟ .
أعود في المساء ، وأفتح الباب ، فتخفق أجنحة البط الصغير في الهواء ،
وتضطرب صيحاته في جو الصالة ، وتسبح أياد ، وعيون مغلقة ، وعيون مفتوحة
، وكراسات ، وأقلام ، وأحذية وصنادل صغيرة . أخطو بين الصفوف البيضاء
محاذرا نحو غرفة المكتب ، وتتكدس الصفوف ورائي ، أقف عند باب الغرفة ،
وأشيح بيدي له أن ينصرف ، أريد أن اهتف فيه ، لكنه يظل واقفا ، صامتا .
في الليل يملأ البط الأبيض كل موضع في غرفة نومي ، يجلس فوق صوان الملابس
، وعند حافة النافذة ، وعلى أطراف سريري ، فإذا حركت ذراعي أو تقلبت على
جنبي ارتطمت به . أتطلع إليه ، فيحدق في ، بصمت ، ورهبة ، وأمل . منذ
شهور طويلة ، وأنا أشعر أن واجبي الأول أن أعيد تلك الصفوف من البط
الأبيض إلي هيئتها البشرية الأولى ، وجلودها الغضة ، وصيحاتها ، وأن على
بكل ما أوتيت من قوة أن أفك عنها السحر الذي ربطها أمامي هكذا . منذ شهور
طويلة وأنا لا أتعرض للأوضاع السياسية بكلمة . لأن شيئا لا يتبدل ، ولأن
كل ما يقال معروف تماما . صرت أهرب من كل ذلك إلي الكتابة في النقد
الأدبي ، أكتب وأحس بالخجل لأن صوت القنابل الإسرائيلية يكاد أن يصل
لأذني ، ويكاد زجاج نوافذ شقتي أن يرتج منه، ولكني أسد أذني ، وقلبي ،
وأستمر في الكتابة عن تقنيات القصة القصيرة ، أو التقدم الذي حققته
الرواية المصرية . ثم أخرج قليلا أتجول في الشوارع القريبة وأعود . أفتح
الباب ، فتلقاني الأجنحة البيضاء التي تخفق في الهواء ، وتلك النظرات ،
والمناقير المربوطة بقطع الشاش الأبيض . فأشعر أنني كنت أهرب ، كأنني
جندي تسللت خلال القصف ، وتركت زملائي وحدهم هناك ، وهبطت من التل
المشتعل بالنار وشققت طريقي بين أشجار الغابات البعيدة . يقول لي البعض :
" الحياة لا تتوقف ، والنقد ، والصحافة ، والكتابة ، مهام ضرورية لا
تتعطل " . أقول لنفسي : " بالطبع . يد محترقة لا تمنع اليد الأخرى من
تناول الطعام " . لكن لماذا أحس بمرارة وأنا أكتب ، أو حين ألتقي
بالأصدقاء القلائل ؟ أوحين أشرب كوب الماء وأرى صفوف البط الأبيض تتطلع
إلي ؟ أنظر إليها وأهتف : وهل أنا المذنب ؟ هل أنا الذي ألقي بالقنابل كل
يوم على الأطفال ؟ هل أنا وحدي الذي ينبغي له أن يفك السحر الأسود عن تلك
الكائنات البيضاء الصامتة ؟ . منذ شهور طويلة توقفت عن متابعة أي شئ .
كل ما أفكر فيه الآن تلك الطيور البيضاء التي تواصل نموها في مسكني ، و
تتخبط حولي ، وتمنعني من التنفس أو تناول الطعام وتدفعني إلي أن
أربط بشريط فكي السفلي بأعلى رأسي ، ثم أقف متجمدا بين صفوفها ، وأرفع
رقبتي النحيلة لأعلى ، ثم أمشى بينها في الغرف الفارغة الصامتة على أمل
أن تطرق الباب علينا يد بشرية .
- أحمد الخميسي . كاتب
مصري
|