في السيارة البوكس قال
لنا ضابط امن الدولة: كلها نصف ساعة وتخرجوا، عايزين نبعدكم عن الضرب
عشان ماتتأذوش. كان ذلك في صباح يوم شتوي مشمس جميل على كوبري الجامعة،
وسحب صغيرة من الدخان الابيض كندف قطن ملون من قنابل الدخان تغطي
المكان، وطلقات الرصاص البلي وانفجارات قنابل الدخان لا تنقطع، كان
ميدان المعركة يمتد من أمام الحديقة إلى داخل الجامعة . كان ذلك بداية
ربيع الحرية الذي اينع في جامعات مصر لعدة سنوات بعد ذلك . اخذ بعضنا
من ميدان نهضة مصر والبعض الآخر من أمام المدينة الجامعية، في
المظاهرات التي بدأت في المعهد الديني بالمنصورة (نوفمبر 68) ثم انتقلت
لجامعات القاهرة والإسكندرية وعين شمس . امتدت النصف ساعة ثلاثة
وثلاثين يوما قضينا معظمها في سجن الاستنئاف، وهناك قابلت أشخاصا لا
تمحى ذكراهم.
د. حسين:
لا اعرف بقية الاسم، ولا اذكر الملامح، ولكني اذكر
الصوت! في احد الليالي وفي الفترة الخانقة التي تعقب إغلاق الزنازين بعد
نهاية يوم آخر ونحن في انتظار ليل طويل في زنزانة ضيقة مليئة بالأحلام
والذكريات والتوق للحرية، سمعنا صوت غناء جميل ينبعث من زنزانة مقابلة.
نادى السجناء بعضهم للصمت حتى ساد هدوء تام، وانساب صوت د. حسين مغنيا
لسيد درويش:
-
يمامة حلوة
ومنين اجيبها
-
طارت يا نينة عند
صاحبها
-
وخطفها البلبل وطار
وياها
-
اصله يا نينة يعرف
لغاها
-
وتروح وتجيني قاصده
تسليني
-
طارت يانينة عند
صاحبها
كان السجن الصاخب الممتليء بآلاف اللصوص والقتلة
صامتا مأخوذا بالصوت الجميل المملوء بالحنين والشوق العاجز المؤلم.
د.حسين عائد من فرنسا بعد أن حضر أو شارك في حركة
الطلاب العظيمة عام 1968 في جامعة نانتير وغيرها من الجامعات الفرنسية
والتي أسقطت ديجول، كانت جزءا من حركة واسعة تضم الشيوعيين الماويين
والتروتيسك والهيبيز والفوضويين والاشتراكيين الإنسانيين في أوروبا
والعالم، كانوا يتخذون من الحدائق العامة مكانا لمؤتمراتهم ومخيماتهم
التي تطوف أوروبا، حيث تعزف الأغاني ضد سيطرة الرأسمال وتبشر بعالم جديد
جميل خال من الحروب والفقر، يقرأون لهربيرت ماركيوز وريجي دوبريه وجرامشي
ويحملون صور ماو وجيفارا وكتابه عن ذكريات السييرا ماستيرا، ويغنون
للحب والسلام، وهي الحركة التي قدم لها البيتلز بعضا من أغانيهم الجميلة
مثل Yellow Submarine, Nowhere Man.
د. حسين دعا بعد عودته هو وبعض الشباب إلى عودة
الديمقراطية إلى مصر المحروسة بالعسكر، فألقي به في السجن هو وزملائه
بتهمة توزيع منشورات و..الخ.
لم يكن يمر يوم وبعد إغلاق الأبواب الحديدية، إلا
وينادي المساجين على د. حسين: غني يا دكتور! فيستجيب أحيانا، ويصمت
السجن بعد أن ينتهي من غناؤه قليلا، ليقوم فجأة احد المساجين بإطلاق
النداء الشهير:
-
بعد مساء الخير على غفر
الليل
-
كنجي وشنجي وبرنجي
-
واحد يا ورد
-
اثنين يا فل
-
ثلاثة يا ياسمين
-
اربعة يا اجدع ناس معلمين
-
خمسة يا افندية واختلاسات
مالية
-
ستة يا زهرة الشباب
والحركة الوطنية
-
سبعة سجن النسا يا مخالف
الشريعة الاسلامية (!)
-
ثمانية يا ماشة
-
تسعة يا اجدع ناس حشاشة
.. الخ
ويعود الصخب الهائل ثانية.
الأستاذ عبد الباري
يروح ويجيء في الحوش الضيق مرتديا طاقيته الصوفية،
ومحكما الروب حول جسده القصير النحيل، وحين يقترب منا يتلفت حوله بحذر
وقلق، ويميل طاقيته إلى جانب ويهمس لنا بسرعة وهو يبتعد: النهارده
حتخرجوا، ورق الإفراج بتاعكم وصل!
كنا ننقل الخبر لبعضنا البعض وننتظر بفرح وانفعال أن
يفتح باب الزنزانة وينادى على أسماءنا لنخرج إلى الشارع، إلى بيوتنا، دون
جدوى.
في اليوم التالي يقول لنا: اصل الورق كان ناقص الختم،
لكن الصول قال انه خلاص اتختم وبكره الصبح حا يخرجوكم من الباب ده، ويشير
برأسه إلى البوابة الكبيرة. مرة ثانية وأخرى وأخرى كنا نصدقه وننتظر دون
جدوى، حتى روينا القصة لأحد المساجين السياسيين الممتليء بهم السجن، فضحك
طويلا وقال لنا: هو عملها فيكم؟ هل تعرفون تهمة الأستاذ عبد الباري؟ -
كلا. قال: إنها ترويج الإشاعات! غضبنا قليلا ثم ضحكنا. بعد ذلك كنا كلما
قابلنا الأستاذ عبد الباري وطاقيته المائلة، نسأله ضاحكين: سمعت آخر
إشاعة يا أستاذ عبد الباري؟ فيبتعد غاضبا وهو يدمدم.
محروس تاوضرس
في الزنزانة المقابلة المغلقة معظم الوقت كان يقبع عم
محروس، مرتديا البذلة الحمراء، وحده في الزنزانة رغم ازدحام العنابر،
هكذا تنص اللوائح للمحكوم عليهم بالإعدام. في الأوقات القليلة التي كان
يسمح له فيها بالخروج من الزنزانة كانت الأغلال الحديدية تكبل يديه
وقدميه، ويحيط به حارسان. ولكن لم تكن القيود الثقيلة تمنع عم محروس
القناوي الضئيل الحجم الذي تعدى الخمسين من الرقص رافعا يديه في الهواء
وإحدى قدميه إلى الأمام كلما رآنا، ومغنيا بلكنته الصعيدية
قصته:
-
صبرت والأصيل إن صبر تخشاه
-
راح تشوف منه إن ظلمته ما
تخشاه
-
كلوا حقي والحق بالحق ما
ينوكلش
-
وصاحب المال مال عليا ولا
سألش
-
والغلبان وسط الديابه ما
تـنصفش
عم محروس الغفير في شركة قطاع عام، رفض أن يشترك مع
بعض الموظفين في سرقة مخازنها، ورفض تركهم يسرقون وهددهم بكشف أمرهم، حتى
فصل من عمله وقدم للنيابة والمحكمة بتهمة سرقة المخازن التي كان يحرسها،
لم يستمع إليه احد ولم يهتم بقصته احد، كان يترأس العصابة مدير الشركة
واحد معاونيه.
فنسأله ونحن نعرف القصة ولكن كنا نحب أن نسمع غناؤه:
وعملت ايه يا عم محروس؟
-
والمدير حسب سكرتيرته
مانعاه
-
لما شاف التسعة ميللي
والقضا وياه
-
راح ورا الحرمة يستخبى من
قضاه
في صباح احد الأيام انتظر حتى حضر الاثنان إلى الشركة
وصعدا إلى مكتبيهما، صعد خلفهما وبمسدس مصانع حربية عيار تسعة مللي
قتلهما وهو يلقي أهازيجه. قال لنا بثقة (الريس حيخرجني على طول، اصلي
بعتله جواب قلت فيه على كل حاجة) ويستمر في غناؤه.
في نهاية ديسمبر وفي اليوم التالي لخروجنا رفع العلم
الأسود
على السجن وأغلقت الزنازين ولم يخرج المساجين لفسحة الصباح، واعدم عم
محروس. كنت دائما أتساءل عن رد فعله لحظتها، هل اندهش وتساءل كيف سمح لهم
الريس بإعدامه، وفوجئ وهو الواثق من براءته وانه فعل ما فعله لـكي (يحافظ
على فلوس البلد من الحرامية) كما كان يقول، هل خاف من مواجهة الموت، أم
رقص وسط جلاديه وانشد:
-
الحر لما دق القضا على
بابه
-
لا خاف ولا انحنى وفتح له
بابه
-
وقاله خدني معاك يا مسافر
ولا تقفشي
-
ما ابقى على دنيا
فيها الخسيس حكم
-
و
الأصيل واقف يدق على بابه!
سكر...
رجل في مقتبل العمر متوسط الطول جامد الوجه
والملامح، نزيل الزنزانة المجاورة لعم محروس، هو أيضا محكوم بالإعدام،
التهمة: التخابر مع العدو الإسرائيلي، وتفجير أو محاولة تفجير قطار حربي
على الجبهة. قطار يحمل في العادة عدة مئات من الجنود صغار السن النازلين
في أجازة قصيرة لرؤية الأم والأب أو الحبيبة أو الزوجة، إنها أجازة اخرى
بعد أسابيع على الجبهة. انهم المجموعة المحظوظة، فيد الموت الخفية التي
تختار بعضهم تحت سيل القنابل والشظايا والرصاص المتطاير لم تصبهم هذه
المرة.
كانت مهمة سكر أن يضع عبوة ناسفة على القضبان في طريق
هذا القطار. كنا نتحاشاه وكان يتحاشانا، كان شاحبا مرعوبا من أن يدق بابه
ذات صباح مجموعة التنفيذ ويأخذوه إلى الغرفة الكبيرة ذات الجزأين العلوي
والسفلي حيث يتم إعدامه.
كان عم محروس إذا رآه يناديه (امشي يا وسخ) فيبتسم
سكر ابتسامة ذليلة ويبتعد بسرعة.
بعد ذلك بسنوات اخبرني أصدقاء ( أقاموا) في سجن
الاستئناف في بداية السبعينيات انهم رأوا سكر هناك، انه شخص آخر غير ما
كنت اعرفه، يتاجر في السجائر والزيت والحشيش ويوزع المساجين صغار السن
على الزنازين بالترتيب مع السجانين تلبية لاحتياجات المعلمين، وكله بتمنه.
لا اعرف إن كان قد نفذ فيه الحكم حتى الآن أم لا، ولكن الأمر لم يطل بعم
محروس.
كمال فيليبس
كنت أتساءل ما إذا كانت ابتسامة عم كمال يمكن أن
تفارق وجهه المغضن أبدا.
إيه حكاية فيليبس يا عم كمال؟
اصلي ممسوك في قضية سرقة راديو فيليبس.
تطوع احد الواقفين: احكي لهم الحكاية يا اسطى وبلاش
تخبي!
شرح عم كمال باختصار: البنت كان لازم لها عملية وما
كانش معايا. ويوم تعبت قوي وقعدت تتوجع وتأن، قلبي وجعني وماقدرتش اقعد
في البيت، مشيت في وشي، لقيت راديو في شباك خدته وخبيته في الجلابية قلت
ابيعه يمكن يساعد، واتمسكت.
عاد المتطوع يلح ثانية: ما تكمل وتقول ايه اللي خلاهم
يمسكوك!
قال عم كمال بابتسامة: أبدا، اصل الراديو كان شغال
على أخره، وهو جوه الجلابية.
قال المتطوع: من غشوميته خد الراديو وهو شغال، جديد
في الكار.
ضحك الواقفون، وابتسم عم كمال بطيبة:
ما سمعتوش، الله يلعن الفكر، مش هو اللي خلى الهدهد
يغلب النسر!
أزاي يا عم كمال؟
ماتعرفوش حكاية الهدهد والنسر؟
وقص علينا القصة
تجبر النسر وطغى علي الهدهد،
هدده الأخير بإحضار الفكر ليؤدبه، اختفى النسر وعاد بعد أيام شاحبا
هزيلا قلقا، وسأل الهدهد: ما هو هذا الفكر وماذا سيفعل بي؟ أعلن الهدهد
منتصرا: ما هو جالك، حيعمل فيك اكتر من كده إيه!
نظر الينا عم كمال مبتسما مزهوا بعد ان قص قصته
الحكيمة.
فجأة سأله احد زملاؤنا: والبنت عملت إيه؟
التفت إليه عم كمال مذهولا شاردا: حا تعمل إيه، ماتت
وأنا في الحجز بعد ما اتمسكت بيومين، ماتت بنتي من غير ما أشوفها ولا
احضنها.
ساد صمت حرج، كانت الدموع تسيل من عينيه في صمت.
عاد يكمل حديثه: ما تقلقوش، كلها يومين ويخرجوكم،
انتوا ولادنا، انتوا رجالة جدعان.
كانت الدموع المنهمرة تتخلل التجاعيد التي تغطي وجهه
الطيب المبتسم، وهو يطمأننا أن حبسنا لن يطول.
صرصار
كنا نناديه بحضرة الصول، وفي غيابه كنا نطلق عليه
صرصار، كان في ذهننا ذلك الصرصار الكبير الذي لا يرى إلا في المجاري
القذرة المملؤة بالفضلات البشرية العفنة، لم يكن ذلك مجازا، فالشاويش سيد
لا يتورع عن فعل أي شيء، كان السجن مجاله الرحب ليفعل ما يشاء دون أن
يحاسبه احد.
في حملة تفتيشية مفاجئة ألقيت بشلن معدني كان معي في
دلو البول، فاللوائح تمنع وجود النقود مع المساجين. بعد مرور الحملة
أخبرت صرصار، لمعت عيناه الضيقتان ودون تردد شمر أكمامه واخرج الشلن من
الدلو الممتليء، سألني إن كنت أريده وعيناه تلمعان، فأدرت وجهي مشمئزا،
فأخذه ومضى. كان السجن يستقبل أحيانا أطفال مودعين لحين تسليمهم لآباءهم
أو أمهاتهم المنفصلين أو تائهين، إنها ليلة يقضونها في السجن ليعودوا
بعدها إلى بيوتهم. كان صرصار يأخذ الطفل العاجز المذعور إلى زنزانة خالية
ومعه بعض المساجين ويتناوبون عليه، يبدأ صرصار والآخرين يرقبون ثم
يتبعونه بعد ذلك، وفي الليل يدفع بالأطفال إلى عنابر المعلمين حيث يسمع
صراخ الطفل باكيا مستغيثا من خلف الأبواب المعدنية المغلقة. في غرفة
الإعدام وصف لنا اللحظات الأخيرة من حياة المحكوم، انه يرتعش كما يرتعش
من لذة الجنس في لحظة الأوج! هذا ما علق في ذهنه من رؤية العشرات
يعدمون، بعضهم بقضايا رأي! كان يفعل المستحيل كي يحضر تنفيذ الإعدام.
لاحظ احد الزملاء انه لا يغادر السجن في أجازة كما يفعل بقية زملاؤه حتى
ظننا أن منزله في الأقاليم، ولكنا فوجئنا أن منزله غير بعيد عن السجن
ولكنه كان يرفض الأجازات، كان السجن بيئته التي يتنفس فيها.
عوكل....
كنا نصعد سلم السجن الحديدي بصعوبة، فالسلم المتآكل
الزلق المليء بالقاذورات والماء الوسخ، قد يجعلك تقع وترتطم بدرجاته
المعدنية الحادة ان لم تحترس.
ولكن عوكل ذو الساق الواحدة والعكاز الخشبية كان يمرق
بيننا طائراً خاطفا الدرجات مع بعضها، كنا نسأله: على فين يا عوكل؟
فيجيب وهو يغيب وراء منحنى السلم: حاقابل الولية!
عوكل النشال الفخور سقط تحت إطارات حافلة وهو يهرب من
مطاردة، فقطعت ساقه.
كان يقول: الواحد لازم ياخد باله وما يخدش من الغلبان
اللي زيه.
- ولكنك بتنشل الغلابة يا عوكل؟
- عشان كده ربنا خد رجلي، بعد كده توبة وربنا يشهد
وحاشتغل هجام فلل!
لعوكل الوسيم المرح امرأة شابة تحبه، كانت تجمع
النقود من عملها كامرأة ليل لتدفعها للسجانين ليسمحوا لها برؤيته، في بعض
الليالي حين يستبد بها الشوق إليه كانت تأتي وهي سكرانة تترنح لتقف في
حارة درب سعادة خلف السجن وتنادي عليه، كان صوتها يغطي على صوت المنادين
الآخرين، ومن شباك الزنزانة الضيق بالطابق الثالث كان عوكل يسبها بغضب
مسامح: روحي يا بنت الـ00، فترد عليه المرأة:
انزل يا عوكل يابن الكلب عشان نجيب عوكل الصغير!
فيضحك المساجين وتنطلق التعليقات البذيئة ولا يغضب
عوكل وتنصرف المرأة الشابة بعد قليل مع احد الواقفين، ويغيبها ظلام
المدينة العجوز وقسوتها المذهلة اللا مبالية.
|