|
هل
انتهت الحرب؟
لطالما قِيلَ لنا، على لسان الصحافة
الأمريكية "الحرّة" وعلى لسان الرئيس الأميركيّ "المنتخَب", إنّ الحرب
على العراق قد انتهت، وإنّ "تحرير العراقيين" قد بدأ، وإنّ الأميركيين
يعملون الآن على "إعادة بناء" ذلك البلد الذي مزّقته الحرب. ولكنْ هل
انتهت الحرب فعلاً، أم أنّها مرحلةٌ جديدةٌ منها؟
في عراقِ "ما بعد الحرب" يتواصل قتلُ
الجنود الأميركيين، منذ أن أَعلن جورج دبليو بوش في 1 أيار/مايو انتهاءَ
الأعمال الحربية الكبرى. وتَعْرض الصحافةُ الأمريكية موتَ هؤلاء الجنود
بنبرةِ استغراب، وكأنّه من الطبيعيّ جدًا أن يحتلّ رجالٌ مسلّحون أجانب
(ونساءٌ مسلّحاتٌ أجنبيات) أرضًا أخرى، وأن يسيِّروا فيها دوريّات، وأن
يُطْلقوا النارَ على أفراد شعبها، وأن يقتلوهم أثناء التظاهرات، وأن
يدمّروا بيوتَهم، ويعتقلوهم، ويضايقوهم على الحواجز!
"هؤلاء الجنود الأميركيون، يكتب "بوم
غرام" في الصحيفة اللندنية "ايفنينغ ستاندرد" الصادرة فى 19 حزيران/يونيو
2003، "قد قَتَلوا، باعترافهم، مدنيين بلا تردّد، وأَجْهزوا على مقاتلين
جرحى، وتَركوا آخرين يموتون وهم يتعذّبون". إنّ القوات
الأمريكية المحتلّة في العراق تتصرّف، أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى، كما يتصرّف
جيشُ الاحتلال الإسرائيليّ في الضفّة الغربية وغزّة.
إنّ الحرب على العراق لم تنتهِ،
وإنّما دخلتْ مرحلةً جديدةً فحسب. المرحلة الأولى كانت حربَ
الخليج عام 1991. المرحلة الثانية كانت اثنتيْ عشرة سنةً
ونصفَ السنة من العقوبات. المرحلة الثالثة كانت قصفَ العراق
وغزوَه هذا العام. وأما المرحلة الرابعة فهي احتلالُ العراق
وغزوُ الشركات. وقد بُرِّرت المراحلُ الثلاثُ الأولى بدعوى "الأمن
ونزْع أسلحة الدمار الشامل"، في حين تُبرَّر المرحلةُ الرابعة التي
نعيشها بدعوى "إعادة بناء العراق".
إعادةُ بناء... أم نقضُ
بناء؟
ماذا تعني إعادةُ البناء "reconstruction"؟
تُعرَّف هذه الكلمة الإنكليزية كالتالي: "إنَّها
البناءُ من جديد؛ أو التأسيسُ من جديد، أو التجميعُ من جديد."
إذن التعبير المفتاحُ هنا هو "من جديد." وعليه، فإنَّ
إعادة البناء تُشْبه بناءَ مستشفى مكان مستشفًى مهدَّم. أما
إذا بنى المرءُ موقعًا عسكريًا مكانَ مستشفًى، أو حَوَّلَ مدرسةً إلى
مركز قيادة عسكريّ (كما حدث في الفلوجة)، فأين إعادةُ البناء يا تُرى؟!
وإذا كانت الخطةُ الأمريكية هي تغييرَ هيكل الاقتصاد العراقيّ، وتغييرَ
تركيبة المجتمع العراقيّ، وتغييرَ الرؤية السياسية للحكومة العراقية
(المعيَّنةِ أصلاً)، فكيف يكون ذلك كلُّه إعادةَ بناء؟
الأحرى والأدقّ أن يسمّى نقضَ بناء "."de-construction
اقتصاديًا: نقضُ بناء العراق باتّجاه تحويله
"سوقًا حرّة"
لقد أَوْضح حاكمُ العراق الحاليّ،
"پول بريمر"، نياته بشكلٍ لا يَحْتمل اللبْس: "العراق مفتوحٌ للـ
Business". ( أيار
2003). ويقول إنّ أحد الأهداف الرئيسة لإعادة بناء
العراق هو حَرْفُه بعيدًا عن السياسات الاقتصادية الموجَّهة من قِبل
الدولة (شيكاغو تريبيون، 27 أيار 2003). ويتطّلع هو
وأسيادُه في وزارة الدفاع الأمريكية إلى نظام
"سوقٍ حرّةٍ" في العراق، وصفتْه الجريدةُ أعلاه بدقّة بأنّه "تحويلٌ
لاقتصاد البلاد". وكانت هذه الجريدة محقّةً أيضًا في القول
إنّ "بناء اقتصاد مزدهر في العراق، موجَّهٍ نحو السوق، كان وما يزال
هدفًا رئيسًا لفريقٍ محافظٍ داخل إدارة بوش يأمل في أن تتدفّق التغييراتُ
كالأمواج إلى كامل العالم العربيّ وتتحدّى الأنظمة القائمة".
والحال أنّ مثل هذه الخطط تتلاءم مع
اقتراح بوش إنشاءَ "منطقة تجارة حرة أميركية ــ شرق أوسطية", أيْ سوقٍ
مفتوحةٍ أمام الهيمنة الإسرائيلية والأمريكية ، ويتطلّب ــ من ثمّ ــ لا
مجرَّدَ الإبقاءِ على الاحتلال العسكريّ الإسرائيليّ لأراضٍ فلسطينية
وسورية ولمزارع شبعا اللبنانية وإنّما يتطلّب أيضًا احتلالاً اقتصاديًا
للمنطقة.
بيع العراق بالخصخصة
على أرض الواقع تَعْمل قواتُ الاحتلال
الأمريكية بشكلٍ سريع على بيع الخدمات، التي كانت تقدِّمها حكومةُ
العراق، إلى شركات خاصة. وقد أَعربتْ هذه القوات بصراحة عن خطّتها
تلك. ففي منتصف نيسان ذَكَرَ مسئولون أميركيون أنّهم يريدون
أن يكون البنكُ الدوليّ هو "الجسمَ العالميَّ المحايدَ" المسئول عن
حسابات عائدات النفط، ليحلَّ بذلك مكان منظّمة الأمم المتحدة التي كانت
تُشْرف على برنامج "النفط مقابل الغذاء" (نيويورك تايمز، 18 نيسان 2003).
غير أنّ البنك الدوليّ ليس بالتأكيد جسمًا "محايدًا" بل العكس تمامًا هو
الصحيح، إذ أدّى إلى إفقار هائل للشعوب بسبب أجندة الخصخصة التي
يتبنّاها. فعلى سبيل المثال يَذْكر الاتّحادُ العالميُّ
للصحفيين المحقِّقين
(ICIJ) أنّه "على الرُّغم من تأكيدات البنك
الدوليّ أنّه لا يَفرض الخصخصةَ على الفقراء، فقد بيَّنتْ أبحاثٌ قام بها
الاتحادُ العالميّ والبنكُ نفسُه أنّ الخصخصة تلعب دورًا متزايدًا في
سياسات الدَّيْن التي يتّبعها البنك".
في منتصف أيار أَعلن "بريمر" أنّ
المصرف المركزيّ العراقيّ ومجموعةً من المصارف الخاصة ستباشر خلال أسابيع
تقديمَ قروض "هامة" لتمويل بيع سلع معيّنة إلى الوزارات العراقية وإلى
المصانع الحكومية والشركات الخاصة. لم يقل "بريمر" أيّ
"مصارف خاصة" ستقدِّم هذه القروض، ولا وفْقَ أيّ شروط، غير أنّه كَشَفَ
أنّه يُتَوقّع أن تكون الشركاتُ الأمريكية والبريطانيةُ من بين
المستفيدين الأوائل. كما كَشَفَ أنّ العقود تَشْمل كلَّ شيء
تقريبًا، من تقنيات استخراج النفط إلى خدمات المواصلات ووسائل الاتصال عن
بعد، إلى الوزارات العراقية. وقال "تيم كارني"، وهو المستشار
الأعلى لقوات التحالف لدى وزارة الصناعة والمعادن العراقية، إنّ الشركات
المتعدّدة التي تَمْلكها الدولةُ العراقية قد تُخصخَص خلال سنة (بي. بي.
سي، 9 حزيران 2003). الجدير ذكرُه أنّ الوزارة التي يديرها "كارني"
تسيطر على 48 شركة حكومية توظِّف حوالى 96 ألف مواطن في ثمانية قطاعات،
بينها الغذاءُ والملابسُ والهندسةُ والموادُ الكيميائية. كما
أنّ مصانع الزجاج والسيراميك برسم الخصخصة، هي الأخرى، خلال العام
الجاري. فمصانع النسيج العراقية، في زعم الولايات المتحدة،
"مصانعُ خاسرة" و"ستُحَلّ". ("حلُّ" الشركات يعني أن يَخْسر
العمّالُ وظائفَهم). وسيباع عدد كبير من المصانع العراقية
الأخرى إلى شركات أجنبية؛ بل إنّ "قوات الاحتلال الأمريكية تلقّت مؤخّرًا
"سلسلةً من الاستفسارات حول هذه المصانع من شركات أجنبية". (وكالة
الأنباء الفرنسية، 12 حزيران 2003).
"بريمر" يُفْصح عن خطة الولايات المتحدة تجاه
العراق
في 22 حزيران تحدّث "بريمر" في
المنتدى الاقتصاديّ العالميّ في دافوس في سويسرا. فقال إنّ
"هدفنا الإستراتيجيّ في الشهور القادمة هو تحريك سياسات تؤدّي إلى نقل
الأشخاص والموارد من المؤسسات الحكومية إلى المؤسّسات الخاصة الأكثر
إنتاجيةً. وسيكون أحدَ البنود الأساسية لهذه العملية إجبارُ
المؤسسات الحكومية على مواجهة ضوابط مالية صعبة، وذلك بتخفيض تقديم
الإعانات والصفقات الخاصة لها". وطالَبَ "بريمر" فعلاً بتخفيض تلك
الإعانات وبفتح حدود العراق من أجل
"زيادة الضغط التنافسيّ على
الشركات العراقية المحلية". ولخَّصَ أولويات هذا "التحوُّل
الاقتصاديّ" بالخطوات التالية ــ وسيأتي تعليقي عليها ضمنا:
-
البدءُ بإصلاحٍ شاملٍ للقطاع
الماليّ من أجل توفير سيولة وقروضٍ للاقتصاد العراقيّ.
سيولة لمن؟ وماذا سيُسيَّل؟ ومَنْ سيقدِّم
القروضَ؟ ولمن؟
-
تبسيط الإجراءات، بحيث تُخفَّض
الحواجزُ أمام دخول شركات جديدة، محليةٍ وأجنبيةٍ. ولكنّ
تخفيض الحواجز من دون تقديم حماية للشركات المحلية ضمانٌ بأن تَعْجز
المصانعُ العراقية عن منافسة المصانع الأجنبية المموَّلة تمويلاً
هائلاً.
-
إعادةُ
النظر في القانون التجاريّ العراقيّ من أجل تحديد التغييرات الواجب
اتّخاذُها لتشجيع الاستثمارات الخاصة. ضَعْ
مكان "الاستثمارات الخاصة" تعبير "الاستثمارات الأجنبية"
-
رفعُ القيود غير المعقولة عن
حقوق الملْكية. ما هي "القيود غير
المعقولة"؟ وهل قوانينُ الملْكية التي تضع قيودًا على تملُّك الأجانب
للأرض العراقية وللمواردِ العراقية تُعتبر "غيرَ معقولة"؟
-
إنشاءُ قوانين مقاوِمة للاحتكار.
هذه توصيةٌ لافتةٌ حقًا، بالنظر إلى أنّ
القوانين الأمريكية المقاوِمة للاحتكار تتمّ إزالتُها أو يجري
التوقُّفُ عن فرضها.
-
إنشاءُ سياسة تجارية مفتوحة تتيح
للفرقاء الإقليميين تنافسًا شريفًا. لا
شكّ أنّ الفرقاء الإقليميين يَشْملون إسرائيل، التي شُجّعتْ مؤخّرًا
على أن توقِّع عقودًا لتشغيل شركاتها في العراق
-
تشجيعُ تبنّي قوانين وإجراءات
تَضْمن أن تكون للعراق معاييرُ عاليةٌ من التحكّم بالشركات.
ولكنّنا نَعْلم أنّ الشركات تؤثّر بشكلٍ
متزايدٍ في الحكومة الأمريكية ، إنْ لم تكن هي التي تسيِّرها
-
إنشاءُ برامج تدريب مكثّفة
لمديري الأعمال تراعي أفضلَ الممارسات وأخلاقيات العمل.
ومَنْ تراه أفضل من الشركات الأمريكية تُدعى إلى
العراق لتكون نماذجَ تُحتذى لأخلاقيات العمل، وهي التي ارتكبتْ عمليات
احتيال وتمارس أعمالاً معاديةً عداءً صارخًا للحقوق النقابية؟
بكلمات أخرى، الهدف هو تحويل الاقتصاد
العراقيّ إلى اقتصاد يكون أكثر ترحيبًا بالشركات الأجنبية، ويَنْزع
البساطَ من تحت أقدام الشركات
المحلية ورجال الأعمال العراقيين والقطاعات
العراقية العامة.
من المسئول اليوم عن القطاعات العراقية العامة؟
تَعمل قواتُ الاحتلال الأمريكية على
تعيين "مستشارين" لكلّ قطاع صناعيّ عراقيّ كبير. هؤلاء المستشارون
يستحقّون أن نعاينهم معاينةً خاصة:
النفط:
تَرغب الولاياتُ المتحدة في إدارة
الصناعة النفطية العراقية كما تُدار أيُّ شركة أخرى، أيْ بتنصيب رئيس
مجلس إدارة أميركية ولجنة إداريين أميركيين. وقد عَيّنت الولاياتُ
المتحدة "فيليب ج. كارول", رئيسًا للجنة "الاستشارية" لقطاع النفط
العراقيّ، وكان في السابق رئيسًا لشركتَيْ "نفط شَلْ" و"فلور" (والأخيرة
دُعيتْ إلى دخول مناقصة في مشاريع بناء عراقية) ويَمْلك أرصدةً ضخمةً في
كلتيْهما، كما أنّه "لاعبٌ" ماليّ هامّ في تكساس. أشار "كارول"
إلى أنّ العراق قد "يختار" ألاّ يبقى ضمن منظّمة الأوپك ــ وهو ما سيُفيد
الولايات المتحدة لأنّها تريد القضاءَ على هذه المنظمة. وقال
إنّه من شبه المؤكّد أنّ توسُّعَ صناعة النفط العراقية في المستقبل سيتمّ
جزئيًا بفضل رؤوس الأموال الأجنبية.
لكنّ تجربة "كارول" وشلّته في نيجيريا
مثلاً تَكْشف سابقةً خطيرةً. فقد تعاونتْ "شَلْ" مع النظام
الديكتاتوريّ النيجيريّ السابق، وارتكبت انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان
النيجيريّ، ولَوَّثت المنطقة، ومَنعت فوائدَ النفط النيجيريّ عن
النيجيريين أنفسهم.
الزراعة:
سيكون قطاعُ الزراعة العراقيّ أساسًا
بإدارة "دان آمستوتز"
Amstutz ، وهو المديرُ الأعلى السابق لشركة
كارغيل Cargill Corporation،
أضخم شركة لتصدير الحبوب في العالم؛ كما أنّه رئيس "جمعية تصدير الحبوب
في أميركا الشمالية. الجدير ذكرُه أنّ "آمستوتز" كان
أثناء رئاسة "ريغان" قد وَضَعَ مسوّدةَ النصّ الأصليّ للاتفاقيات
العالمية الكبرى الخاصة بتجارة السلع الزراعية، والتي تَمْنح الدولَ
الغنيةَ حقَّ إغراق الأسواق العالمية بفائضها الزراعيّ المدعوم، الأمرُ
الذي يؤدّي إلى خفض الأسعار إلى حدٍّ لا يَسْمح للمزارعين في الدول
النامية بالمنافسة. وها هو "بوش" الابن يواصل سياسةَ "آمستوتز"؛
فقد ورد تقريرٌ في الغارديان يفيد بأنّ الرئيس الأميركيّ قال إنّه يريد
للمزارعين الأميركيين أن يُطْعموا العالم!
"إنّ تكليف "دان آمستوتز" إعادةَ بناء
القطاع الزراعيّ في العراق يُشْبه تكليفَ "صدّام حسين" رئاسةَ لجنةٍ
لحقوق الإنسان!" هذا ما ذَكَرتْه وكالةُ "أوكسفام"
البريطانية لتقديم المعونات في حزيران من هذا العام. وتابعتْ
تقول: "إنّ هذا الرجل, "آمستوتز" وُضع في موضعٍ فريدٍ يتيح له ترويجَ
المصالح التجارية لشركات الحبوب الأمريكية وفتْحَ السوق العراقية على
مصراعيها، ولكنّه سيّئُ الاستعداد ــ وبشكل استثنائيّ ــ لقيادة جهودِ
إعادةِ البناء في دولةٍ نامية".
الإعلام:
عَهدتْ قواتُ الاحتلال الأمريكية إلى
"روبرت رايلي" Reilley
، وهو المدير السابق لإذاعة صوت أميركا، بـ
"إصلاح" إذاعات العراق، وجرائده، وتلفزيونه، وبإدارة وسائل الإعلام
العراقية، من أجل الترويج للسياسة الأمريكية هناك. هذا
المنظِّر المحافظ المؤيّد للحرب يؤْمن بأنّ "نشر الأخبار لا يكفي…
إذ إنّ علينا واجبَ الكشف عن طبيعة الشعب الأميركيّ لكيْ تتّضح المبادئُ
الأساسية للحياة الأمريكية !" وبكلام آخر، فإنّ الخطة
الأمريكية هي مواصلةُ إدارة وسائل الإعلام في العراق لصالح الدولة،
والتغيير الوحيد هو أنّ "الدولة" لم تعد نظامَ صدّام حسين بل إدارة بوش
وعقيدتها عن "السوق الحرة!"
فَرَضَ "بريمر" قوانينَ رقابيةً على
الصحافة العراقية. وبموجبها سيجري تهديدُ أو إغلاقُ الجرائد التي تَنْشر
"قصصًا مثيرة" wild
stories أو موادَّ تُعتبر استفزازيةً أو
قابلةً لإثارة العنف الإثنيّ أو العنف ضدّ قوات الاحتلال.
تَشْمل لائحةُ "بريمر" لـ "النشاطات الاستفزازية" تسعَ نقاط، من بينها:
التحريضُ على الكراهية العنصرية أو الإثنية أو الدينية، والدعوةُ
إلى دعم حزب البعث المحظور، ونشرُ موادّ "مغلوطة…"
ومصمَّمةٍ لإثارة المعارضة على قوات التحالف أو لتقويض العمليات الشرعية
الآيلة إلى أن يَحْكم العراقيون أنفسَهم". وعلى كلّ وسائل
الإعلام العراقية الآن أن تكون مرخَّصة. وسيتمّ نزعُ
التراخيص ومصادرةُ المعدّات من وسائل الإعلام التي تَخْرق هذه القوانين.
كما أنّه يُمْكن أن "يُحتجز" الأفرادُ الذين يَنْتهكون هذه القوانين
و"يُوقَفوا، ويُلاحَقوا"، وأن
تَحْكُمَ عليهم السلطاتُ المختصةُ ــ في حال
إدانتهم ــ بالسجن عامًا على الأكثر وبغرامة قدرُها ألفُ دولار.
ولا يكون الاحتكام إلاّ إلى "بريمر" وحده، وقرارُه نهائيّ.
أما "شبكة الأخبار العراقية" التي
أُنشئتْ حديثًا في نيسان 2003 لتحلّ محلَّ وزارة الإعلام العراقية
السابقة، فستَحْكمها قواتُ الاحتلال ويديرها "رايلي" وسيَحْتفظ "بريمر"
"بحقّ نُصْح" الشبكة في أيّ مجال من أنشطتها "بما في ذلك المضمونُ", وله
سلطةُ توظيفِ العاملين فيها أو طردِهم.
لقد أشار "نعمة عبد الرزّاق"، أحدُ
رؤساء التحرير العراقيين، إلى أنّ مرسوم الصحافة الذي أصدره "بريمر" يضع
قيودًا على الصحافة شبيهةً بتلك التي وضعها "صدّام حسين" نفسُه.
ففي العهد السابق كان يُمْكن بسهولةٍ أن يُتّهم كاتب متمرّد بالعمالة
للولايات المتحدة أو لإسرائيل، "وهم اليوم يضعون أكياسًا بلاستيكية على
رؤوسنا ويرموننا على الأرض ويتّهموننا بأنَّنا عملاء لصدّام حسين", كما
جاء في إحدى افتتاحياته، "وبكلام آخر، إنْ لم تكن مع أميركا فأنت مع
صدّام!"
إنّ مثل هذه الإجراءات ينبغي ألاّ
تدفعَنا إلى العجب إذا تذكّرنا أنّ قوات الاحتلال الأمريكية تعمّدت
استهدافَ الصحفيين في العراق أثناء اقترابها من بغداد. فبحسب
"تحليلٍ مفصَّلٍ أوَّل لحملة القصف الجويّ من قِبل قائد قوات السلاح
الجويّ الأميركيّ", استَخْدمتْ وزارةُ الدفاع أسلحةً موجّهةً بدقّة حين
أَمرتْ بعشرة هجمات على "مواقع إعلامية" بما فيها مكتبُ قناة "الجزيرة"
في بغداد، فاستُشْهد أحدُ الصحفيين.
تبعات الخطة الاقتصادية
لكي نَفْهم تبعات خطة تحويل الاقتصاد
العراقيّ علينا أن نَفْهم حالَ العراق اليوم. فما هي قدرة
العراقيين على تحمّل التغييرات التي تَرْسمها لهم قواتُ الاحتلال
الأمريكية ؟
في المرحلة الثالثة من الحرب على
العراق تمّ إسقاطُ أكثر من 240 ألف قنبلة عنقودية على العراق.
والمعروف أنّ هذه القنابل تحتوي كلٌّ منها على حوالى 200 قُنيبلة.
كما قُتل حوالى 7000 مدنيّ عراقيّ ــ بل قد يصل الرقم إلى 10 آلاف (www.iraqbodycount.net)
وجُرِحَ ما لا يقلّ عن 8000 في بغداد وحدها (لوس آنجلز تايمز، 18 أيار
2003). وهذه الأرقام لا تَشْمل آلاف الجنود العراقيين الذين
قَضَوْا وهم يدافعون عن وطنهم أمام القوات الغازية.
وزاد الطينَ بلّةً ما ذكرتْه
CARE من أنّ "خبراء
يقولون إنّ الأوضاع مواتيةٌ تمامًا لانتشار وباء الكوليرا. فاللحمُ يباع
في أكشاك تقع إلى جانب مستنقعات راكدة، والأطفالُ يلعبون جماعاتٍ حول
المياه الوسخة. وبسكّانٍ تعدادُهم خمس ملايين، وبدرجاتِ حرارةٍ تبلغ
اليومَ 45 درجةً وأكثر، يُحتمل أن يكتسح وباءُ الكوليرا بغدادَ بأسرها".
كما أَورد "البرنامجُ الغذائيّ
العالميّ" التابعُ للأمم المتحدة أنّ "واحدًا من كلّ خمسة عراقيين" في
جنوبيّ العراق ووسطه، "أو 6.4 مليون شخص" يعانون "فقرًا مزمنًا".
كلّ هذه المعاناة تُضاف إلى اثنيْ عشر
عامًا ونصفِ العام من العقوبات الخانقة التي أُخضع لها الشعبُ العراقيّ،
وهي عقوبات (أو حربٌ اقتصادية) أدّت مباشرةً إلى موتِ ما لا يقلّ عن 500
ألف طفل عراقيّ ما دون خمس سنوات (بحسب اليونيسيف). ويقول "فريدريك
بارتون"، وهو مفوّض سابق أعلى لشؤون اللاجئين في منظّمة الأمم المتحدة،
إنّ تحدّيات تحمُّلِ العقوبات قد كانت ربّما تحضيرًا جيّدًا للمرونة التي
تتطلّبها الأسواقُ الحرّة (شيكاغو تريبيون، 27 أيار 2003).
مرونة الأسواق الحرة؟ أيْ أنّ الحرب الاقتصادية
مستمرّة.
أصلاً هناك الآن 400 ألف عراقيّ عاطل
عن العمل بعد أن "حَلَّ" "بريمر" الجيشَ العراقيّ في 23 أيار.
وفي 23 حزيران أَعلن "الحكّامُ" المدنيون (المسيَّرون من قِبل الأميركان)
إنشاءَ جيش عراقيّ جديد , أملاً في احتواء الغضب العراقيّ من البطالة
التي تَبْعث على اليأس، ولكبح سلسلةِ أعمالِ الهجوم على القوات
الأمريكية . وسيوظِّف هذا الجيش 12 ألف رجل خلال عام،
وسيبلغ 40 ألفًا خلال ثلاثة أعوام، مخلِّفًا ما لا يقلّ عن 360 ألفًا دون
عمل.
كما حَلَّ "بريمر" وزارةَ الإعلام،
وأَصْدر مرسومًا يَمْنع حوالى 30 ألف مسئول بعثيّ من الاحتفاظ بأيّ وظيفة
في "حكومة عراقية في المستقبل".
فكم عراقيًا إضافيًا سيَخْسر
وظيفتَه بعد حلّ الشركات وخصخصة الخدمات العامة؟!
غزو الشركات للعراق
كُتب الكثير عن علاقة الشركات
الأمريكية بوزارة الدفاع الأمريكية . لكنّ الأهمّ من تصادم
المصالح بين الپنتاغون والشركات المدعوّة إلى الدخول في مناقصات هو ما
ستفعله هذه الشركاتُ في العراق. والحال أنّ ما يجمع بين هذه
الشركات جميعِها هو أجندةُ الخصخصة.
أ ــ هاليبرتون وخصخصة موارد
النفط العراقيّ:
مَنحتْ وزارةُ الدفاع الأمريكية
هاليبرتون عقدًا سريًا غيرَ قابل للمناقصة بقيمة 7 بلايين دولار.
فقَبْل شهور من إسقاط القوات الأمريكية قنابلَها وصواريخَها على العراق
كانت وزارةُ الحرب تَعْمل سرًا مع هاليبرتون (التي كان نائبُ
الرئيس الأميركيّ ديك تشيني رئيسَ مجلس إدارتها) على عقد يُعطي
هذه الشركة حقَّ السيطرة الكاملة على حقول
النفط العراقيّ وتوزيعه.
ب ــ بيكتل: خصخصة مياه
العراق.
حصلتْ بيكتل على عقدٍ غيرِ
قابل للمناقصة من ( USAID
الوكالة الأمريكية للتنمية العالمية) في 17
نيسان 2003. ويَشْمل العقد: إصلاحًا طارئًا أو إعادةَ تأهيلٍ
لمرافق الطاقة، وشبكاتِ الكهرباء، وأنظمةِ المياه البلدية، وأنظمةِ
المجارير، ومرافقِ المطار، ولإصلاح ميناء أمّ قصر وتطويره (تمّ
العقدُ حتى قبل أن تحتلّه القواتُ الأمريكية )، وإعادة بناء
المستشفيات والمدارس ومباني الوزارات وأجهزة الريّ وخطوطِ المواصلات.
وكان هدف الشركة المعلن هو إصلاح، أو إعادة تأهيل، ما يصل إلى 100 مستشفى
و6000 مدرسة (من بين حوالى 25 ألفًا)،
وستةِ مطارات، وميناءٍ واحد على الجنوب. العقد كان في بادئ
الأمر بقيمة 6،34 مليون دولار، ويصل على امتداد ثمانية عشر شهرًا إلى 680
مليون دولار، وقد يصل في النهاية إلى 100 بليون دولار، وهو ما يجعله
أكبرَ عقدِ "إعادةِ بناءٍ" في العراق.
لكنْ لو كان للمرء أن يختار إعطاءَ
العقود إلى الشركات على أساس سجلِّها السابق فسيكون غريبًا جدًا أن
تَحْصل بيكتل على أيّ عقد. ففي بوسطن كان يُفترض أن
يكلِّف العملُ على مشروع النفق السيِّئ السمعة مبلغَ 5،2 بليون دولار،
فإذا به يَبْلغ 6،14 بليون دولار، ليكلَّفَ دافعي الضرائب 8،1 مليون
دولار عن كُلِّ مِيل! وفي كاليفورنيا شُيّدتْ بيكتل
أحدَ المفاعلات النووية لتشغيل الطاقة مقلوبًا! وفي بوليفيا
كانت بيكتل جزءًا من اتّحاد ماليّ سيطر على مصادر المياه ورَفَعَ
الأسعارَ بمعدل 35%، فاندلعت التظاهراتُ في مدينة "كوتشابامبا" لأنّ
عددًا كبيرًا من الناس هناك لم يستطيعوا أن يتحمّلوا هذه الأسعار وأدّت
التظاهراتُ إلى مقتل الكثيرين. فانسحبت بيكتل،
لكنَّها تُقاضي الحكومةَ البوليفيةَ بمبلغ 52 مليون دولار لفسخها العقدَ.
قالت "جولييت بَكْ" من منظّمة "المواطن العامّ", "ليست بيكتل
شركةً ذاتَ سجلّ اجتماعيّ أو بيئيّ سليم", "ويجب ألاّ تكون جزءًا من جهود
إعادة البناء الإنسانية في العراق... فبيكتل والخصخصة صنْوان لا
يفترقان". وقالت "أنتونيا جوهاسز"، مديرةُ برنامج في المنتدى
العالميّ حول العولمة في سان فرانسيسكو، "إنّ سجلّ بيكتل يشير إلى
الاتّجاه التالي: يخصخصون الخدماتِ المعنيةَ ثم يرفعون الأسعارَ، فلا
يَحْصل على تلك إلاّ مَنْ يقدر على دفع هذه".
ج ــ معهد تراينجل (المثلّث)
للأبحاث: ليس عديمَ الأذى إلى ذلك الحدّ؟
مَنحت الوكالة الأمريكية للتنمية
العالمية معهدَ تراينجل للأبحاث (كارولاينا الشمالية) عقدًا في 11
نيسان 2003 بقيمة 9،7 مليون دولار، قد تصل إلى 9،167 مليون دولار خلال 12
شهرًا. ويَشْمل "تقويةَ المهاراتِ الإدارية وطاقةِ
الإدارات المحلية والمؤسسات المدنية على تحسين تنفيذ الخدمات البلدية مثل
أمور الماء والصحة والنظافة العامة والتحكّم الاقتصاديّ؛ ويتضمّن برامجَ
تدريبيةً في وسائل الاتصالات، وحلِّ الأزمات، ومهاراتِ القيادة،
والتحليلِ السياسيّ". وقد يبدو هذا المعهدُ بريئًا من أيّ
شبهة، إذ لم يعطِ أيَّ سنت للحزب الجمهوريّ، وليس ثمة أيٌّ من أعضاء مجلس
إدارته على ارتباط بوزارة الدفاع الأمريكية ، وليس ديك تشيني على جدول
رواتبه. لكنّه ليس بريئًا على الإطلاق في واقع الأمر.
فرئيستُه والمسئولة الإدارية الأولى
فيه "فيكتوريا فرانشيتّي هاينز" تصرِّح بأنّه وسيلة لترويج مصالح
الشركات. وتحت قيادتها عمد المعهدُ إلى بناء علاقات واسعة مع
مصانع للصيدلة وللعناية الصحية وللتكنولوجيا الحيوية وغير ذلك.
فلننظرْ مرّةً أخرى إلى العقد الذي
حصل عليه هذا المعهد. واحدة من القضايا الرئيسة في عمل
المعهد، حسب زعمه، هي بناءُ "حكومة قوية ديموقراطية من أبناء البلد..."
أيكون هذا مجردَ حديث في العلاقات العامة
لتلطيف العلاقات بين الشعب العراقيّ وقوات الاحتلال؟ فالحقُّ
أنّ كلّ خطوة في مشروع المعهد ــ مثل "تحديد مَنْ هُمْ قادةُ البلاد
الأصليون" و"تدريب مديرين في التحليل السياسيّ" ــ تفتح بابًا أمام تسريب
دعايةٍ مواليةٍ للولايات المتحدة وتجعل المناخَ السياسيَّ العراقيَّ
أكثرَ ترحيبًا بالمصالح الأمريكية .
القضية الثانية المتّصلة بهذا الأمر
هي ما إذا كان المعهدُ المذكور سيطوِّر مصالحَ الناس أَمْ سيطوِّر مصالحَ
النخبة المالية (الأجنبية والمحلية). الأرجح أن يضع المعهدُ
ثقلَه إلى جانب سيطرة الشركات لا سيطرةِ الناس على "الخدمات المحلية",
تمامًا مثلما فعل في أوروبا الشرقية. كما أنّ المعهد سبق أن
تلقّى الكثيرَ من العقود الحكومية الأمريكية من أجل العمل على "إعادة
بناء" بلدانٍ دَخَلَتْ في طور "التحوُّل" الجذريّ، وكان بعضُ أضخم عقوده
خلال العقد الماضي من أجل "مساعدة" بلدان الكتلة السوفياتية السابقة
أثناء "تحوّلها إلى الرأسمالية" وذلك عبر "الإصلاحات المؤيِّدة لسياسة
السوق". ولعلّ كون هذه البلدان تعيش اليوم حالةَ خرابٍ
اقتصاديّ، وتسيِّرها حكوماتٌ منخورةٌ بالفساد والفضائح، أن يشكِّل مصدرَ
قلقٍ جديًا.
إنّ سياسة المعهد الأساسية هي الدفعُ
باتّجاه الخصخصة، أيْ وضعُ البرامج والخدمات الحكومية في يد الشركات.
لكنّ أجندة الخصخصة هذه كانت كارثةً كبرى في جنوبيّ أفريقيا.
فمثلاً تحكّمتْ شركةٌ فرنسية ضخمة متعدّدةُ الجنسيات بمجمل الخدمات
المائية هناك أثناء السنوات الأخيرة من التسعينيات، فرفعت الأسعارَ بسرعة
وأَوقفتْ تزويدَ المياه لمناطقَ معدومةٍ بأكملها، مخلِّفةً اضطراباتٍ
وإضراباتٍ. كما ذَكَرَ تقريرٌ حديثٌ للاتحاد العالميّ
للصحفيين المحقِّقين
(ICIJ) أنّ جهودَ خصخصة أنظمة المياه في
جنوبيّ أفريقيا أدّت إلى تفشّي الكوليرا، لأنّ الناس الذين عجزوا عن دفع
الأسعار الباهظة راحوا يَشْربون من الجداول والبحيرات والبرك الملوَّثة.
وقد أدّى ذلك التفشّي إلى مقتل حوالى 300 شخص. فإذا دَفَعَ
معهدُ تراينجل بالأمور في الاتّجاه نفسه في العراق ــ وليس هناك
سببٌ يدعونا إلى التفكير خلافًا لذلك ــ فإنّه سيَضْمن أن تتحكّم
الولاياتُ المتحدة (وأوروبا أيضًا ولكنْ إلى حدّ أقلّ) بالمجتمع العراقيّ
إلى ما بعد رحيلِ الجيوش المحتلّة بزمن طويل. إنّه احتلال
نيوليبراليّ، ولكنّه احتلال رغم كلّ شيء.
يقول أحدُ الناشطين الجنوب أفريقيين
لـ "كريس كروم"، المدير التنفيذيّ لمعهد الدراسات الجنوبية"إنّ سببَ سقوط
' الأپارتايد ' هو أنّ البيض لم يعودوا يحتاجون إليه للحفاظ على
سيطرتهم". "فلقد خَصْخصوا كلَّ شيء. ومَنْ تراه
يدير الشركاتِ في نظركم؟! إنّ البِيض لم يعودوا يحتاجون إلى
' الأپارتايد ' لأنّه صارت لديهم الرأسمالية!"
وقد يكون العراقُ الفصلَ القادمَ من الحكاية
المستمرّة.
والحقّ أنّ كلّ هذه القضايا ينبغي أن
توضع في سياق السجلّ التاريخيّ للوكالة الأمريكية للتنمية العالمية
USAID،
التي تعاقدتْ مع معهد تراينجل للأبحاث. فالوكالة
المذكورة هي ذراعٌ للحكومة الأمريكية ،
ومن ثمّ تَنْخرط كثيرًا في مشاريع "تنمية"
تتوافق مع المصالح السياسية والعسكرية الأمريكية . كما
انتُقدت الوكالةُ الأمريكية هذه بسبب علاقاتها الوثيقة المكشوفة بالشركات
الأمريكية ، ولهذا تَؤُول مشاريعُها إلى أن تكون أدواتٍ تساعد الشركات على
اختراق أسواق جديد.
كما تلقّى معهدُ تراينجل
للأبحاث عقدًا فرعيًا من الوكالة الأمريكية للتنمية العالمية من أجل
"إصلاح النظام التربويّ". وقد أثار هذا العقدُ سجالاً كبيرًا
حين كُشِف عن وجود خطط لإعادة كتابة الكتب المدرسية العراقية، أيْ
جَعْلِها أكثرَ موالاةً للولايات المتحدة. وتتضارب
التقاريرُ عمّا إذا كانت هذه الجوانبُ من العقدْ قد أُسقطتْ أو حُجِّمتْ
فقط.
نَقْضُ ما يتعدّى الاقتصاد
بالإضافة إلى تحويل الاقتصاد العراقيّ
ساحةً حرّةً للشركات تَرْتع فيه ما شاءت، تخطّط الولاياتُ المتحدة لبناء
ثلاث قواعد عسكرية دائمة في العراق. واضحٌ أنّ هذه القواعد
ستحدّ كثيرًا من أيّ سيادةٍ عراقيةٍ حقيقية، وتَضْمن أنْ يبقى الحاكمُ
المعيَّن الموالي للولايات المتحدة في الحكم، وتحدّ من النضالات
الديموقراطية الحقيقية هناك. علاوةً على أنّ للقواعد
العسكرية تبعاتٍ إقليميةً بعيدةَ الأثر وستطوِّر المستويات العسكرية
للإمبراطورية الأمريكية .
كما تَطْمح الحكومةُ الأمريكية إلى
تغيير موقف العراق من الفلسطينيين. وها إنّ الولايات المتحدة
دَعَت الشركات الإسرائيلية إلى المشاركة في "إعادة بناء" العراق، على
نحوِ ما ذكرتْ "يديعوت أحرانوت" في 25 حزيران. فبحسب هذه
الجريدة دعا نائبُ رئيس وزارة المالية الأمريكية "جون تايلور" الشركات
الإسرائيلية "إلى العمل والاستثمار والمشاركة في الميادين المختلفة" التي
تمّ فتحُها في العراق. وقال إنّ الفرص ستأتي ما إنْ يَسمح
التشريعُ الاقتصاديّ العراقيّ الجديد بمزاولة الاستثمار والنشاطات
الإسرائيلية.
وعلى الحكومة العراقية الجديدة أن
تُذعن لإسرائيل. وذَكرتْ مصادرُ في وزارة الخارجية الأمريكية
أنّ إبرام اتفاقية سلام مع إسرائيل هو "على رأس أجندة" الحكومة العراقية
الجديدة. وقد تدشِّن هذه الحكومةُ خطَّ أنابيبَ نفطيةٍ عبر
إسرائيل، ويتوقّف العراقُ عن دعم الفلسطينيين. ليس مصادفةً
في هذا السياق أنّ البعثة الدبلوماسية الأولى، بل الوحيدة، التي اقتحمت
القواتُ الأمريكية مكاتبَها ونَهبتْها وأَوقفتْ ممثِّليها وصادرتْ
أسلحتَهم المرخَّصة كانت البعثةَ الفلسطينية. كما يتعرّض 90
ألف فلسطينيّ لخطر الترحيل من العراق، ومعظمُهم كانوا في الأصل قد
هُجِّروا من حيفا عام 1948. إنّ أوجه الشبه بين
العراق وفلسطين تزداد يومًا بعد يوم، وكلا الشعبَيْن يَطْرح مطالبَ
واحدةً:
إنهاء
الاحتلال؛ وإنهاء سرقة الموارد الطبيعية؛ والتقيّد الكامل بالقانون
الدوليّ (بما في ذلك حقُّ العودة لـ 5،6 مليون فلسطيني).ّ
هناك طرق كثيرة للنظر إلى الاحتلال
الأميركيّ للعراق: من زاويةِ الاحتلال العسكريّ
والاتّجاه الحثيث إلى بناءِ إمبراطوريةٍ أميركية؛ أو
من زاوية العنصرية التي تَسْمح بسلب الناس
إنسانيّتَهم؛ أو من زاوية رغبة الشركات
الهائجة في زيادة سلطتها. كلُّ الطرق حقيقية ودقيقة.
وكلُّها ذاتُ أثرٍ كبير على حياتنا، داخلَ العراق، وعلى امتداد العالم
العربيّ، بل وأبعد من ذلك أيضًا.
كارولاينا
الشمالية
|